في واحدة من أغرب القصص الاقتصادية في العالم، تحولت جزيرة ناورو الصغيرة، الواقعة في المحيط الهادئ، من دولة فقيرة إلى واحدة من أغنى دول العالم من حيث نصيب الفرد، بعدما اكتشفت ثروة هائلة من الفوسفات تكونت عبر ملايين السنين من فضلات الطيور البحرية.
لكنها فقدت معظم ثروتها واقتربت من الإفلاس نتيجة استنزاف مواردها الطبيعية وسوء إدارة عائداتها واستثماراتها الخارجية.
و”ناورو”، أو “ناويرو” كما تُسمى اليوم، هي جمهورية صغيرة تقع في المحيط الهادئ، فتمتلك واحدة من أغرب قصص الثراء وأكثرها دلالةً على الإطلاق.
وقد صنعت هذه الدولة، ثروة مذهلة ولمدة مؤقتة بفضل “فضلات الطيور”، قبل أن تعود من جديد للفقر، ولكن كيف حدث هذا ؟.
- مريم المري.. قصة نجاح بدأت مع مؤسسة عبدالله الغرير
ناورو قبل عصر الثراء
الجزيرة التي تبلغ مساحتها نحو 21 كيلومتراً مربعاً، استوطنها قبل قرابة 3000 عام مسافرون من ميكرونيزيا، مع احتمال وجود تأثير بولينيزي تداخل معها في مرحلة ما.
و ميكرونيزيا وبولينيزيا هما منطقتان جغرافيتان وثقافيتان في المحيط الهادئ، وتضمان آلاف الجزر التي استوطنها البشر عبر موجات هجرة بحرية قديمة.
ونظّم المجتمع في ناورو نفسه في 12 عشيرة، وهي بنية جوهرية للهوية المحلية لدرجة أنها لا تزال حاضرة حتى اليوم في شكل نجمة ذات 12 رأساً على العلم الوطني.
وعلى مدى معظم تاريخها، كانت ناورو مجتمعاً مكتفياً ذاتياً، إذ كان السكان يصطادون من الشعاب المرجانية، ويعتنون بأشجار الباندانوس وجوز الهند، ويربون الأسماك في بحيرة داخلية ذات مياه مسوسة، مستخدمين نظاماً تقليدياً ذكياً للغاية للاستزراع السمكي.
وعندما مرّ الأوروبيون الأوائل بالجزيرة في أواخر القرن الثامن عشر، وصفوا سكانها بأنهم يتمتعون بلياقة بدنية عالية ونشاط وافر وتغذية جيدة، ويعيشون حياةً في الهواء الطلق يغبطهم عليها الآخرون.
حتى إن الملاح الذي رصد الجزيرة عام 1798 أُعجب بها كثيراً لدرجة أنه أطلق عليها اسم “الجزيرة المبهجة”.
وبمقاييس ذلك العصر، وربما بمقاييس عصرنا أيضاً- كانت كذلك بالفعل، ولم يكن أحد يدرك أدنى إدراك ما الذي يقفون فوقه ويستقر في باطن تربتها.

حظ ناورو.. ونحسها
وكان سكان جزيرة ناورو يجلسون فوق ثروة هائلة من الفوسفات، دون علم منهم بذلك.
فعلى مدى ملايين السنين، تراكمت فضلات الطيور البحرية (الغوانو) فوق تكوينات مرجانية، ومع مرور فترات زمنية طويلة للغاية، تعرضت هذه المواد لعمليات ضغط وتحولات كيميائية، لتتحول في نهاية المطاف إلى صخور فوسفاتية تُعد من بين الأنقى والأغنى من نوعها على وجه الأرض.
والفوسفات، وفقا للخبراء بالزراعة، هو الركيزة الأساسية للأسمدة الزراعية، فبدونه تعجز المحاصيل عن النمو، وبوجوده تزدهر حتى التربة الفقيرة.
ولحسن حظ أستراليا ونيوزيلندا، اللتين كانت أراضيهما في أمس الحاجة إلى هذه المادة، فقد كانتا تقعان على مقربة إلى الجنوب من الجزيرة.
واكتُشفت هذه الرواسب في مطلع القرن العشرين، ومنذ تلك اللحظة، حُسم مصير الجزيرة.
وظهرت أولاً “شركة فوسفات المحيط الهادئ”، تلتها هيئة أُطلق عليها اسم “مفوضو الفوسفات البريطانيون”، والتي كانت تُدار بشكل مشترك من قِبل بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا.
وعلى مدى عقود، استُخرج الفوسفات وشُحن إلى الخارج، بينما ذهبت الأرباح بالكامل تقريباً إلى القوى المُديرة للجزيرة، بدلاً من أن تعود بالنفع على أهل الأرض الذين كانت أراضيهم تُنقل بعيداً عبر السفن، حمولةً تلو الأخرى.
وخلال النصف الأول من ذلك القرن، امتلكت ناورو المورد الطبيعي، لكنها لم تملك السيطرة عليه.
استقلال ناورو وثراؤها
وفي عام 1968، نالت ناورو استقلالها، لتصبح بذلك أصغر جمهورية في العالم.
وبعد عامين، في عام 1970، اشترت ناورو عمليات استخراج الفوسفات، وباتت تمتلك المشروع بأكمله، وتديره من خلال شركة مملوكة محلياً.
ولأول مرة في الذاكرة الحية، أصبحت العائدات الناتجة عن المورد الاستثنائي الوحيد للجزيرة تبقى داخل الجزيرة نفسها.
وكانت تلك العائدات ضخمة للغاية، فعلى امتداد حقبتي السبعينيات والثمانينيات، ارتفعت أسعار الفوسفات، وبلغت الأرباح مستويات خيالية بالنسبة لبلد يقل عدد سكانه عن 10 آلاف نسمة.
وبحلول عام 1975، قدّر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50 ألف دولار أمريكي.
ولتوضيح الصورة، فقد جعل هذا الرقم من هذه الدولة متناهية الصغر ثاني أغنى بلد في العالم من حيث نصيب الفرد، ولم تسبقها سوى المملكة العربية السعودية في ذلك التوقيت، بحسب ما ذكر تقرير موقع ” koryogroup”.
ولقد تحولت ناورو حرفياً من واحدة من أفقر دول العالم إلى ثاني أغناها، وهو تحول حدث، بالمقاييس العامة، بين عشية وضحاها تقريباً.
وهكذا، أصبحت هذه البقعة، التي لم يسمع بها معظم الناس، والتي تجد معظم الأطالس صعوبة في تحديد موقعها، أغنى من الولايات المتحدة واليابان وأي دولة في أوروبا، وذلك عند قياس الثروة بنصيب الفرد.

ماذا فعلت ناورو بالمال؟
هذا هو الجزء الذي يتشوق الجميع لمعرفة تفاصيله، وهو بالفعل مثير للاهتمام.
فقد ألغت الحكومة الضرائب، وأصبحت الرعاية الصحية والتعليم مجانيين؛ بل وصل الأمر إلى إرسال الطلاب المتميزين للدراسة في الخارج على نفقة الدولة.
كما أتيحت خدمات النقل العام بالمجان، وحظي السكن بدعم حكومي سخي، واعتمد الكثير من السكان في معيشتهم ببساطة على العائدات المالية الناتجة عن استخراج الفوسفات من أراضيهم العائلية، فأصبح العمل الوظيفي، بالنسبة لقطاع كبير منهم، خياراً لا ضرورة له على الإطلاق.
واشترى السكان سيارات رياضية ومركبات فاخرة، وكانوا يقودونها على طريق دائري وحيد لا يتجاوز طوله بضعة كيلومترات، في جزيرة لا تتيح لك الذهاب بعيداً أو القيادة بسرعة عالية.
وتدفقت السلع المستوردة بغزارة، وحلّت اللحوم المعلبة والأرز الأبيض والسكر والمشروبات الغازية، التي كانت تُشحن من الخارج، محل النظام الغذائي التقليدي القائم على الأسماك وجوز الهند والمحاصيل المحلية؛ ويعود ذلك جزئياً إلى تفضيلات السكان، وجزئياً لأن عمليات التعدين دمرت مساحات شاسعة من الأراضي، مما جعل زراعة الغذاء محلياً أمراً بالغ الصعوبة.
وتوارى صيد الأسماك والأنشطة البدنية عن الحياة اليومية، وحلّت محلها برامج التلفاز والمنتجات المستوردة التي توفر سبل الراحة.
ولم يكن لدى سكان الجزيرة، في ذلك الوقت، وعي كافٍ بما قد يترتب على ذلك، ولكن، كما ربما خمنت، كان لهذا الرخاء ثمن باهظ، فقد ساهم التحول في النمط الغذائي خلال سنوات الازدهار تلك في جعل ناورو تسجل واحدة من أعلى معدلات السمنة والإصابة بمرض السكري من النوع الثاني على مستوى العالم.
سقوط ناورو الكبير
وأدرك المسؤولون حقيقة واحدة بوضوح تام: الفوسفات لن يدوم إلى الأبد، فالموارد الصخرية على جزيرة صغيرة محدودة، وكل شحنة كانت تُنقل إلى الخارج لم تكن قابلة للتعويض.
لذا، اتخذوا خطوة مسؤولة، أو على الأقل، حاولوا القيام بذلك، فقد أنشأوا صندوقاً سيادياً، وهو كيان استثماري صُمم لاستثمار العوائد الضخمة من الفوسفات وتوليد دخل للمستقبل، تحسباً لليوم الذي تنضب فيه هذه الموارد.
وفي ذروة ازدهاره، قُدِّرت قيمة الصندوق بنحو مليار دولار أسترالي. وبدا الأمر، على الورق، كخطوة حكيمة من دولة تخطط لمستقبلها بمسؤولية.
لكن المشكلة كانت في التنفيذ، إذ ضخ الصندوق أموالاً في عقارات ومشاريع خارجية، باءت نسبة كبيرة منها بالفشل الذريع.
فقد شُيِّد ناطحة سحاب مكونة من 52 طابقاً في ملبورن -كانت حينها أطول مبنى في المدينة، كما تم شراء فنادق وعقارات متفرقة في أنحاء أستراليا ومنطقة المحيط الهادئ.
وتوسعت شركة الطيران الوطنية “خطوط ناورو”، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، لتصبح تمتلك أسطولاً أكبر بكثير مما يمكن لدولة يبلغ عدد سكانها 10 آلاف نسمة تبريره؛ حيث كانت الطائرات تُسيَّر في رحلات “لأغراض الوجاهة” وهي شبه فارغة.
- لغز الاقتصاد الأمريكي.. نمو في الأرقام والاستطلاعات تروي قصة مختلفة
ثم هناك الاستثمار الأكثر غرابة وإثارة للدهشة في هذه القصة بأكملها، ففي أوائل التسعينيات، ساهم الصندوق في تمويل عرض مسرحي في منطقة “ويست إند” بلندن، حمل عنوان “ليوناردو: صورة للحب”، وهو عمل مسرحي يتناول حياة ليوناردو دا فينشي، وقد انتهى الأمر بكارثة مالية.
وهكذا، خسرت دولة جزرية في المحيط الهادئ، كانت تعتمد في ثروتها على تراكم فضلات الطيور عبر مئة مليون سنة، ثروة طائلة على عرض مسرحي فاشل يدور حول فنان من عصر النهضة.
وكان السبب في سقوط ناورو هو ذلك العرض المسرحي الفاشل عن دا فينشي، والاستثمارات العقارية الخاسرة، وسوء إدارة ثروة “فضلات الطيور”؟.
فبين الاستثمارات السيئة، وتكاليف إدارة دولة اتسمت بسخاء مفرط، وقرارات اتُّخذت بتهور شديد، إلى جانب الحقيقة البسيطة المتمثلة في نضوب موارد الفوسفات فعلياً، تبخرت تلك الأموال وتلاشت.
وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت الاحتياطيات قد استُنزفت إلى حد كبير، وتقلص الصندوق الاستئماني بشكل هائل، وباتت البلاد التي بلغت قدر كبير من الثراء، تواجه خطر الإفلاس.


