أغرب نظام نقدي في العالم.. جزيرة تستخدم الأحجار العملاقة كعملة

أغرب نظام نقدي في العالم.. جزيرة تستخدم الأحجار العملاقة كعملة

في واحدة من أغرب التجارب النقدية في العالم، لا تزال جزيرة ياب في المحيط الهادئ تحتفظ بإرث اقتصادي فريد يتمثل في أقراص حجرية عملاقة استُخدمت تاريخياً كوسيلة للتبادل وتوثيق الملكية، حتى إن انتقال ملكية بعضها لم يكن يتطلب تحريكها من مكانها.

وتقع جزيرة ياب ضمن ولايات ميكرونيزيا الموحدة غرب المحيط الهادئ، وتشتهر بالحفاظ على تقاليدها الثقافية والاجتماعية، إلى جانب طبيعتها البحرية التي تجعلها وجهة مميزة لمحبي الغوص ومشاهدة أسماك المانتا راي والقروش.

ورغم اعتماد الدولار الأمريكي عملة رسمية في ميكرونيزيا، فإن جزيرة ياب تحتفظ بنظامها التقليدي المعروف باسم «الراي» (Rai)، وهو عبارة عن أقراص كبيرة من الحجر الجيري، يصل قطر بعضها إلى نحو 12 قدماً، فيما بلغ وزن بعض القطع قرابة 8 آلاف رطل.

  • أسواق العملات تترقب أسبوعا حاسما.. قرارات البنوك المركزية تحرك المشهد

ما قصة العملات الحجرية في جزيرة ياب؟

تعود قصة العملات الحجرية إلى رحلات بحرية قديمة قام بها سكان ياب باتجاه جزيرة بالاو، الواقعة غرب الجزيرة بنحو 400 كيلومتر، لاستخراج الحجر الجيري الذي لا يتوافر بصورة طبيعية في موطنهم.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن سكان ياب تعرفوا على هذا النوع من الأحجار خلال رحلاتهم إلى بالاو، حيث اكتشفوا رواسب الكالسيت الموجودة داخل الكهوف، وبدأوا في استخراجها وتشكيلها على هيئة أقراص دائرية.

وبحسب تقارير تاريخية، بدأت عمليات استخراج هذه الأحجار في موقع «ميتوكر را بيسيتش» (Metuker ra Bisech) قرابة عام 1700، مع تطور الأدوات المستخدمة في نحتها وصقلها.

وبعد التوصل إلى تفاهمات مع سكان بالاو، أنشأ القادمون من ياب محاجر لاستخراج الأحجار، واستخدموا أدوات تقليدية مصنوعة من الأصداف لتشكيل الأقراص، التي أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من النظام الاجتماعي والاقتصادي للجزيرة.

أغرب نظام نقدي في العالم.. جزيرة تستخدم الأحجار العملاقة كعملة - صورة 1

كيف كان سكان ياب ينقلون الأحجار العملاقة؟

لم تكن صناعة العملات الحجرية مهمة سهلة، إذ تطلب استخراجها نحت كتل ضخمة من الحجر الجيري وتحويلها إلى أقراص دائرية، مع إحداث ثقب في منتصف كل قرص لتسهيل عملية النقل.

وساعدت هذه الفتحات على تمرير أعمدة خشبية أو جذوع أشجار، بما يسمح برفع الأحجار وتحميلها على القوارب المصنوعة من الخيزران، أو نقلها باستخدام أطواف مخصصة للقطع الأكبر حجماً.

لكن الرحلة البحرية من بالاو إلى ياب كانت محفوفة بالمخاطر، خصوصاً عند نقل الأحجار الثقيلة فوق القوارب لمسافات طويلة، حيث كان الحفاظ على توازن الحمولة أمراً بالغ الصعوبة.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن بعض الرحلات شهدت سقوط أحجار في البحر، فضلاً عن وفاة عدد من المشاركين فيها أثناء عمليات الاستخراج أو النقل.

لماذا كانت الأحجار الحجرية تُستخدم كعملة؟

لم تكن أحجار «الراي» مجرد مقتنيات ضخمة أو رموز ثقافية، بل أدت دوراً اقتصادياً واجتماعياً في جزيرة ياب، إذ استُخدمت في معاملات ترتبط بالزواج والميراث والاتفاقيات السياسية وغيرها من المناسبات المهمة.

وكانت قيمة الحجر لا تتحدد بحجمه ووزنه فقط، بل ترتبط أيضاً بتاريخ استخراجه والجهد المبذول للحصول عليه والمخاطر التي صاحبت نقله.

فكلما ارتبط استخراج الحجر برحلة شاقة أو خسائر بشرية ومخاطر كبيرة، اكتسب أهمية وقيمة اجتماعية أكبر لدى سكان الجزيرة.

واللافت أن عملية البيع أو انتقال الملكية لم تكن تتطلب نقل الحجر فعلياً من موقعه، إذ كان أفراد المجتمع يعرفون تاريخ كل قطعة ومالكها، ويكتفون بالاعتراف المتبادل بانتقال ملكيتها.

وتوضح مؤسسة سميثسونيان أن هذه الممارسة ارتبطت بقدرة المجتمع المحلي على حفظ سجلات الملكية بصورة شفوية واجتماعية، دون الحاجة إلى تحريك الأقراص الحجرية الثقيلة عند كل معاملة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك حجر سقط في قاع المحيط الهادئ أثناء نقله إلى ياب، بعد تعرض القارب لعاصفة بحرية.

ورغم بقائه في قاع البحر، اتفق سكان الجزيرة على استمرار الاعتراف بقيمته وملكيته، بعدما عرفوا قصته، وأصبح الحجر جزءاً من نظام التداول رغم عدم القدرة على الوصول إليه.

أغرب نظام نقدي في العالم.. جزيرة تستخدم الأحجار العملاقة كعملة - صورة 2

هل تعرضت العملة الحجرية للتضخم؟

على الرغم من اختلاف شكلها عن العملات المعدنية والورقية المعروفة، لم تكن أحجار «الراي» بمنأى عن التأثر بقواعد العرض والطلب والتغيرات الاقتصادية.

وظهرت إحدى أبرز التحولات خلال سبعينيات القرن التاسع عشر، عندما رافق المغامر الأيرلندي الأمريكي ديفيد أوكيف سكان ياب في رحلاتهم إلى بالاو، مستخدماً أدوات حديثة مستوردة لتسريع عمليات استخراج ونحت الأحجار.

وأدى استخدام هذه الأدوات إلى زيادة إنتاج أقراص «الراي» بصورة أسرع، ما أحدث تغيراً في نظرة السكان إلى قيمتها.

فقد أصبحت الأحجار المنتجة باستخدام الأدوات الحديثة أقل قيمة في نظر بعض سكان الجزيرة مقارنة بالأقراص التقليدية التي استُخرجت وصُنعت باستخدام الأدوات المصنوعة من الأصداف.

كما ساهمت زيادة المعروض من الأحجار في تراجع قيمتها الإجمالية، في تجربة تشبه من حيث النتيجة تأثير زيادة المعروض النقدي على قيمة العملة.

وتكشف هذه الواقعة أن سكان ياب لم ينظروا إلى الحجر باعتباره مجرد مادة قابلة للاستخراج، بل ربطوا قيمته أيضاً بالجهد والتاريخ والظروف التي صاحبت إنتاجه.

  • سوق تنبؤات بيتكوين.. منصات العملات الرقمية تهرب من ركود رهانات الرياضة

متى توقف استخدام العملات الحجرية؟

تراجعت عمليات إنتاج أحجار «الراي» في مطلع القرن العشرين، مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الجزيرة وانتشار وسائل النقد الحديثة.

ومع ذلك، لم تختفِ هذه الأحجار من حياة السكان، إذ لا تزال تحتفظ بمكانتها الثقافية والتاريخية، ويستمر استخدامها في بعض المناسبات والمعاملات التقليدية المرتبطة بالأعراف المحلية.

وتشير التقديرات الواردة في التقارير عن الجزيرة إلى وجود نحو 6500 حجر من هذه العملات، موزعة على مواقع مختلفة، من بينها صفوف حجرية داخل القرى ومساحات مفتوحة في الغابات، تشبه المصارف التقليدية المفتوحة.

وتعكس هذه المواقع طبيعة النظام الذي اعتمد على الاعتراف الاجتماعي بالملكية بدلاً من ضرورة الاحتفاظ بالمال داخل خزائن أو نقل الأحجار باستمرار.

كيف وصلت إحدى العملات الحجرية إلى متحف سميثسونيان؟

لم يقتصر الاهتمام بالعملات الحجرية على سكان ميكرونيزيا، بل امتد إلى المؤسسات العلمية والمتاحف العالمية التي درست هذا النظام النقدي باعتباره نموذجاً استثنائياً لفهم تطور المال والمجتمعات التقليدية.

وفي عام 1962، حصلت مؤسسة سميثسونيان على أحد أحجار «الراي» مقابل 200 دولار أمريكي، بمساعدة عالم الأنثروبولوجيا المنتمي إلى ياب فرانسيس ديفنجين.

وكان الحجر قد استُخرج من جزيرة بالاو ونُقل إلى ياب عام 1904، قبل انتقاله لاحقاً إلى حيازة المؤسسة الأمريكية.

كما تمثل دراسة «العملات الحجرية في ياب» (The Stone Money of Yap)، التي أعدتها كورا لي غيليلاند عام 1975 لصالح سميثسونيان، أحد المراجع المهمة لفهم تاريخ هذه الأقراص ووظيفتها الاقتصادية والاجتماعية.

ويُعرض الحجر الذي اقتنته المؤسسة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بالعاصمة الأمريكية واشنطن، حيث ظهر ضمن معرض ثقافات المحيط الهادئ عند افتتاحه عام 1962.

الدولار الأمريكي حاضر.. والعملة الحجرية باقية

تعتمد جزيرة ياب حالياً على الدولار الأمريكي ضمن النظام النقدي الرسمي لولايات ميكرونيزيا الموحدة، لكن أحجار «الراي» لا تزال شاهدة على تجربة اقتصادية استمرت قروناً.

وتقدم هذه العملات نموذجاً مختلفاً لفهم مفهوم المال، إذ لم تكن قيمتها مرتبطة بالمعدن الذي صنعت منه أو بقدرتها على الانتقال من يد إلى أخرى، وإنما بتاريخها والاعتراف الاجتماعي بها والحقوق المرتبطة بملكيتها.

وهكذا تحولت الأقراص الحجرية العملاقة من وسيلة للتبادل داخل مجتمع محلي صغير إلى أحد أبرز الرموز الثقافية والتاريخية لجزيرة ياب، ونموذج لافت في تاريخ الأنظمة النقدية حول العالم.