الملفات الخارجية تهيمن على الانتخابات الأميركية
بينما كانت إسرائيل تقصف شمال قطاع غزة بغارات جوية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتأمر بإجلاء أكثر من مليون فلسطيني من المنطقة، وجّهت مسؤولة كبيرة في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تحذيراً صريحاً للبيت الأبيض. فقد كتبت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط آنذاك، في رسالة بالبريد الإلكتروني بتاريخ 13 أكتوبر (تشرين الأول) إلى كبار مساعدي الرئيس جو بايدن تقول إن النزوح الجماعي سيشكل كارثة إنسانية، وقد يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، ما قد يؤدي إلى توجيه اتهامات إلى إسرائيل بارتكاب جرائم حرب. وذكرت سترول، في الرسالة، أنها كانت تنقل تقييماً للجنة الدولية للصليب الأحمر «جمّد الدماء في عروقها»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء. وبينما تقترب حرب غزة من إتمام عامها الأول، ويتأرجح الشرق الأوسط على شفا حرب أوسع نطاقاً، تظهر رسائل سترول عبر البريد الإلكتروني، ومراسلات أخرى لم ترد تقارير عنها من قبل، صراع إدارة بايدن من أجل الموازنة بين المخاوف الداخلية إزاء ارتفاع أعداد القتلى في غزة ودعمها العلني لإسرائيل في أعقاب هجوم حركة «حماس» الفلسطينية في 7 أكتوبر على جنوب إسرائيل، التي تقول إنه أسفر عن مقتل 1200 شخص. وراجعت «رويترز» 3 مجموعات من الرسائل المتبادلة عبر البريد الإلكتروني بين كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، التي يرجع تاريخها إلى الفترة من 11 إلى 14 أكتوبر، أي بعد أيام قليلة من اندلاع الأزمة. وأدت الحملة الإسرائيلية إلى مقتل أكثر من 41 ألفاً و800 فلسطيني في غزة، ما فجّر احتجاجات في الولايات المتحدة، قادها نشطاء عرب أميركيون ومسلمون. قلق مبكر… وكارثة أسوأ تكشف رسائل البريد الإلكتروني، التي لم ترد تقارير عنها من قبل، عن قلق مبكر في وزارة الخارجية والبنتاغون، من أن ارتفاع عدد القتلى في غزة قد ينتهك القانون الدولي ويعرّض العلاقات الأميركية مع العالم العربي للخطر. وتُظهر الرسائل أيضاً ضغوطاً داخلية في إدارة بايدن لتغيير رسالتها، من إظهار التضامن مع إسرائيل إلى الحديث عن التعاطف مع الفلسطينيين وضرورة السماح بدخول مزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة. ولا يزال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعيد المنال، على الرغم من مرور أشهر من المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة. والآن أصبح جزء كبير من غزة خراباً. ويلوح خطر اندلاع حرب إقليمية مع إيران في الأفق بعد الهجمات التي شنّتها إسرائيل على لبنان واغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لجماعة «حزب الله» اللبنانية، المدعومة من طهران، الأسبوع الماضي، والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل. ويقول مسؤولون كبار في إدارة بايدن إنهم يعتقدون أن ضغوط البيت الأبيض على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تلك الأيام الأولى من الحرب أحدثت فرقاً، ومنعت وقوع كارثة أسوأ. وفي أحاديث خاصة، طلب البيت الأبيض من إسرائيل تأجيل هجومها البري لمنح منظمات الإغاثة مزيداً من الوقت لإعداد المساعدات للنازحين وإعطاء إسرائيل مزيداً من الوقت للتوصل إلى اتفاق مع «حماس»، وذلك وفقاً لما قاله مسؤولون في الإدارة للصحافيين في إفادات غير علنية حينها. بطء في التعامل مع معاناة الفلسطينيين لكن 3 مسؤولين أميركيين كباراً شاركوا في عملية صنع القرار قالوا إن واشنطن كانت بطيئة في التعامل مع معاناة الفلسطينيين. ورغم أن الغزو البري تأخر في نهاية المطاف نحو 10 أيام، عزا المسؤولون الثلاثة ذلك التأخير إلى الاستعدادات العملياتية للجيش الإسرائيلي أكثر من الضغوط الأميركية. وبعد نشر هذه القصة، قال السيناتور الديمقراطي، كريس فان هولن، إن رسائل البريد الإلكتروني تُظهر أن «الكارثة الإنسانية التي تكشّفت في غزة كانت واضحة بشكل مؤلم منذ الأيام الأولى للحرب، إذ نبّه خبراء كبار إلى انتهاك المعايير الدولية»، وإلى تجاهل البيت الأبيض «لمخاوف مشروعة». وقال البيت الأبيض رداً على أسئلة بشأن رسائل البريد الإلكتروني: «كانت الولايات المتحدة تقود الجهود الدولية الرامية لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة»، و«كان ذلك وسيظل أولوية قصوى». وأضاف أنه قبل «تدخل (الولايات المتحدة)، لم يكن هناك طعام أو ماء أو دواء يدخل إلى غزة». جرائم حرب يجري التحقيق بشأن ارتكاب قادة في إسرائيل و«حماس» جرائم حرب في أعقاب الهجمات التي شنّتها الحركة الفلسطينية. ففي يونيو (حزيران)، خلصت لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى وجود أدلة موثوقة على أن «حماس» وجماعات فلسطينية مسلحة أخرى ارتكبت جرائم حرب تشمل التعذيب واحتجاز رهائن. كما وجدت اللجنة أدلة على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب نتيجة لاستخدامها قنابل ضخمة في غزة في الأشهر الأولى من الحرب. ولا تزال إدارة بايدن والحملة الرئاسية لنائبة الرئيس كامالا هاريس عالقة بين مجموعتين انتخابيتين قويتين، هما الديمقراطيون المؤيدون لإسرائيل والتقدميون الأصغر سناً الداعمون للفلسطينيين. ويقول منافس هاريس عن الحزب الجمهوري، الرئيس السابق دونالد ترمب، إنه «سيحسم» الحرب «سريعاً» إذا فاز في الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، دون أن يخوض في تفاصيل عن كيفية ذلك. لكن محللي السياسة الخارجية يستبعدون أن تؤدي الانتخابات إلى تغيير كبير في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، بالنظر إلى دعم كلا الحزبين طويل الأمد لها. وتُظهِر رسائل البريد الإلكتروني التي راجعتها وكالة «رويترز» محاولات حثيثة داخل إدارة بايدن لتحذير البيت الأبيض من الأزمة الوشيكة، ومقاومة مبدئية من البيت الأبيض لوقف إطلاق النار خلال الأيام الأولى الفوضوية من الحرب. وبدأ تبادل المجموعات الثلاث من رسائل البريد الإلكتروني في 11 أكتوبر، أي في اليوم الخامس من الغارات الجوية الإسرائيلية بعد هجوم «حماس». «فقدان المصداقية» في مرحلة مبكرة، تزايدت المخاوف داخل الإدارة بشأن صورة الولايات المتحدة في نظر حلفائها العرب. وبعد أن استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية مستشفيات ومدارس ومساجد غزة، أبلغ كبير مسؤولي شؤون الدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية الأميركية، بيل روسو، كبار المسؤولين في الوزارة بأن واشنطن «تفقد مصداقيتها بين الجماهير الناطقة بالعربية» بعدم تعاملها مع الأزمة الإنسانية مباشرة، وذلك وفقاً لرسالة بالبريد الإلكتروني أرسلت يوم 11 أكتوبر. وذكرت السلطات الصحية في غزة في ذلك اليوم أن عدد القتلى بلغ نحو 1200 شخص. وبينما دافعت إسرائيل عن الضربات، قائلة إن «حماس» تستخدم المباني المدنية لأغراض عسكرية، كتب روسو أن الدبلوماسيين الأميركيين في الشرق الأوسط يراقبون التقارير الإعلامية العربية التي تتهم إسرائيل بشنّ «إبادة جماعية» وواشنطن بالتواطؤ في جرائم حرب. كما كتب روسو أن «عدم استجابة الولايات المتحدة للأوضاع الإنسانية للفلسطينيين ليس غير فعال وله نتائج عكسية فقط، بل إننا متهمون أيضاً بالتواطؤ في جرائم حرب محتملة من خلال التزام الصمت حيال أفعال إسرائيل بحق المدنيين». وبينما خاطب روسو كبار المسؤولين في وزارة الخارجية، حثّ على التحرك سريعاً لتغيير موقف الإدارة المعلن المتمثل في الدعم غير المشروط لإسرائيل وعمليتها العسكرية في غزة. وكتب: «إذا لم يتم عكس هذا المسار بسرعة، ليس عبر الرسائل فقط، وإنما بالأفعال، فإن هناك مخاطرة بالإضرار بموقفنا في المنطقة لسنوات مقبلة». واستقال روسو في مارس (آذار)، عازياً ذلك لأسباب شخصية. وأحجم عن التعليق. «تخفيف السرعة» في يوم 13 أكتوبر،
الملفات الخارجية تهيمن على الانتخابات الأميركية قراءة المزيد »









