«Upsurge».. مدن أوروبا تعيد هندسة الطبيعة لمواجهة التحديات المناخية

«Upsurge».. مدن أوروبا تعيد هندسة الطبيعة لمواجهة التحديات المناخية

في مواجهة موجات الحر والفيضانات وتلوث الهواء، تتجه مدن أوروبية إلى إعادة تصميم بيئاتها الحضرية بالاستعانة بالطبيعة والتكنولوجيا، بدل الاكتفاء بالحلول التقليدية للبنية التحتية.

ويختبر مشروع «Upsurge» في 5 مدن أوروبية مجموعة من الحلول القائمة على الطبيعة، تشمل الحدائق المطرية والممرات الخضراء والجدران النباتية، إلى جانب أدوات رقمية ومشاركة السكان، بهدف الحد من المخاطر المناخية وتعزيز قدرة المدن على الصمود، مع تحويل المساحات الحضرية إلى بيئات أكثر ملاءمة للإنسان والطبيعة.

وتوضح كسينيا ناباست، منسقة مشروع “Upsurge” التابع لمعهد التنمية السلوفيني “E-zavod”، قائلة: “تتميز العديد من المدن بمناطق عمرانية كثيفة، وأسطح مغطاة بمواد تمنع نفاذ المياه مثل الأسفلت والخرسانة، وضغوط مرورية، مما يزيد من الإجهاد الحراري، ويُفاقم سوء جودة الهواء، ويقلل من التنوع البيولوجي”.

كما تواجه المدن تحديات محددة تتعلق بالحوكمة وتنفيذ تدابير التكيف، إذ لا يقتصر الأمر على بناء البنية التحتية فحسب، بل يتطلب أيضاً تأمين البيانات والتمويل، وضمان الصيانة طويلة الأمد، وكسب القبول العام، وتحديد جهات الملكية والمسؤولية بوضوح.

وقد جمع مشروع “Upsurge” بين المواطنين والمسؤولين الحكوميين والباحثين والمنظمات المحلية للتصدي لهذه التحديات من خلال حلول قائمة على الطبيعة، وأدوات رقمية، وأطر للحوكمة، بهدف إعادة تشكيل المساحات الحضرية لتصبح مواقع للتجديد البيئي.

  • رؤى التكيف.. واقع حرج لعلوم المناخ

تجربة الحلول القائمة على الطبيعة

وبحسب موقع cordis.europa، نجح مشروع “Upsurge” في تطبيق مجموعة من الحلول في خمس مدن أوروبية. 

وتضيف ناباست: “يجمع المشروع بين المعرفة والأدوات والخبرات لمساعدة المدن على اختيار وتخطيط وتنفيذ حلول قائمة على الطبيعة تتناسب مع السياق المحلي، وذلك تحقيقاً لتنمية حضرية تجديدية”.

ففي مدينة بلفاست بالمملكة المتحدة، حوّل المشروع أرضاً مهملة إلى حديقة مجتمعية تعتمد مبادئ الزراعة الإيكولوجية، مما أدى إلى استعادة جودة التربة وتعزيز التنوع البيولوجي، فضلاً عن توفير أنشطة تعليمية وتعزيز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المحلي.

وفي مدينة بريدا الهولندية، جرى تجديد حي سكني يعود تاريخه إلى ستينيات القرن الماضي عبر إنشاء حدائق مطرية غنية بالتنوع البيولوجي، وزراعة الأشجار، وتصميم قنوات تصريف نباتية، وهي تدابير تساعد في مكافحة الإجهاد الحراري الشديد، واحتجاز مياه الأمطار الغزيرة، وتصفية الملوثات. 

وتُعد هذه المبادرة التجريبية مختبراً بيئياً واقعياً لدفع عجلة تحول بريدا إلى “مدينة داخل حديقة” تتمتع بالقدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية.

«Upsurge».. مدن أوروبا تعيد هندسة الطبيعة لمواجهة التحديات المناخية - صورة 1

وفي ماريبور بسلوفينيا، أُنشئت ممرات خضراء جديدة وبنية تحتية مائية لربط الأحياء المتباعدة، مما حقق فوائد بيئية ومجتمعية. 

أما في بودابست بالمجر، فقد أُنشئت حدائق مطرية وجدار أخضر للحد من جريان مياه الأمطار، ودعم التنوع البيولوجي، وتحسين المناخ الحضري المحلي.

وفي كاتوفيتسه ببولندا، شمل موقع العرض الخاص بالمشروع إنشاء محطات حافلات خضراء، وحدائق عمودية، وجدران تمتص الملوثات، وغيرها من الحلول القائمة على الطبيعة للحد من جريان المياه، مما ساعد في السيطرة على الفيضانات، وتقليل التعرض للانبعاثات المرورية، وتخفيف آثار ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”.

تمهيد الطريق للتجديد الحضري لتحقيق فوائد اجتماعية واقتصادية

ويرتكز مشروع “Upsurge” على نموذج “اللولب الخماسي”، وهو مبدأ يجمع بين الجامعات والشركات والحكومات المحلية والمواطنين والبيئة الطبيعية ذاتها.

ويُقر هذا النهج الشامل بأن الحلول القائمة على الطبيعة، يمكن أن تحقق فوائد تتجاوز مجرد زيادة المساحات الخضراء في المدن، لتشمل توفير فرص العمل والفرص الاقتصادية، ولا سيما في الأحياء التي تفتقر إلى الخدمات الكافية. 

وقد استكشف مشروع “Upsurge” هذه الإمكانات من خلال التعاون مع شركاء تجاريين لتطوير واختبار نماذج أعمال وآليات تمويل مبتكرة لهذه الحلول القائمة على الطبيعة.

وجرى تطبيق هذا النموذج التعاوني في جميع المواقع عبر الجمع بين المشاركة المجتمعية الفعالة واستخدام أجهزة استشعار بيئية متطورة تقنياً. 

ومن خلال إشراك السكان المحليين في عمليات التصميم والتخطيط، بالتزامن مع رصد بيانات فورية حول جودة الهواء والمياه باستخدام أجهزة الاستشعار، ضمن النموذج أن تكون هذه المساحات الخضراء نتاجاً للمشاركة المجتمعية ومستندة في الوقت ذاته إلى أسس علمية رصينة.

  • من نيويورك.. رئيس COP31 يطرح أجندة قمة المناخ في أنطاليا

على سبيل المثال، تم إطلاق تطبيق المشروع “Citiair” في جميع مواقع العرض التجريبي، مما أتاح للمواطنين الاطلاع على بيانات فورية حول جودة الهواء في مدنهم، فضلاً عن إمكانية الإبلاغ عن المشكلات البيئية.

وتعرض “الخريطة الشارحة”، الخاصة بمشروع “Upsurge” النتائج التي تم التوصل إليها في المدن المشاركة في العرض التجريبي. ويشير “ناباست”، إلى أن هذا العرض “يجعل النتائج مفهومة ليس فقط للخبراء، بل أيضاً لأصحاب المصلحة ولعامة الجمهور”.

ومن خلال تسليط الضوء على ابتكارات الحلول القائمة على الطبيعة القابلة للتصدير والتوسع، والمستندة إلى مبادئ الحوكمة التشاركية، يزود مشروع “Upsurge” المدن الأوروبية ومقدمي الخدمات بالأدلة والأدوات والخيارات اللازمة لتطوير حلولهم الخاصة لتعزيز القدرة على الصمود في وجه التغير المناخي.