الساحل الأفريقي يتحصن بـ«السواتر الترابية».. خط دفاع أخير ضد الإرهاب

وسيلة حماية تقليدية تعود للظهور بشكل مكثف في منطقة الساحل الأفريقي، بل تظهر في صور الأقمار الصناعية، والسبب الجماعات الإرهابية.

وفي جميع أنحاء منطقة الساحل، تعود إحدى وسائل الحماية القديمة إلى الظهور، وهي الحواجز الترابية،حيث يقوم سكان البلدات الريفية ببناء حلقات من الجدران الترابية والخنادق في محاولة لصد هجمات الجماعات الإرهابية.

وقد توصلت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة فلوريدا إلى أن المجتمعات المحلية قامت، ببناء مئات الكيلومترات من التحصينات الترابية حول المراكز السكانية.

وفي شمال شرق نيجيريا والمناطق المحيطة ببحيرة تشاد، أصبحت جميع البلدات التي يزيد عدد سكانها على 10 آلاف نسمة محاطة الآن بحواجز كبيرة بما يكفي لتكون مرئية في صور الأقمار الصناعية.

ويتزامن هذا الاستثمار في الأمن ذي التكنولوجيا البسيطة تقريبًا مع تصاعد الإرهاب في منطقة الساحل.

كما أنه يعيد إلى الذاكرة، الجدران الطينية التقليدية التي كانت تحمي المساكن منذ مئات السنين في مجتمعات مثل هاوسالاند في نيجيريا، وساحل سينغامبيا بغرب أفريقيا.

مميزات دفاعية

ومع ذلك، يقول الباحثون إن الحواجز الحالية مصممة لإبطاء تقدم المهاجمين وليست بالضرورة قادرة على إيقافهم.

إذ قال الدكتور أوليفييه والتر، الأستاذ المشارك في جامعة فلوريدا والباحث الرئيسي في المشروع، لمجلة “منتدى الدفاع الأفريقي”: «تختلف هذه الخنادق اختلافًا كبيرًا عن أسوار المدن في أفريقيا ما قبل الاستعمار. فهي في الغالب خنادق مائية وسواتر ترابية، وقد شُيدت لإبطاء تقدم الإرهابيين الذين يتمتعون بقدرة كبيرة على التنقل ويحملون أسلحة خفيفة».

ويجري تمويل هذه المشاريع من قبل الحكومة أو الوكالات الدولية. وعادةً ما يتم إنشاؤها باستخدام الحفارات أو غيرها من المعدات، على الرغم من أن بعضها يُحفر يدويًّا.

وتُعد هذه الحواجز أكثر فعالية في إجبار المهاجمين على النزول من دراجاتهم النارية وتوجيههم نحو نقاط دخول معينة حيث قد يتمكن الحراس المسلحون من إيقافهم، والتعامل معهم.

هنا، قال والتر، الذي يمول مشروعه البحثي من قبل المنظمة الدولية للتعاون الاقتصادي والتنمية: «إنها طريقة فعالة للغاية لإبطاء تقدم الإرهابيين ومنع الهجمات الانتحارية. كما أنها تمنح المدافعين الوقت لتنظيم صفوفهم، وربما طلب المساعدة».

وأضاف: «إنها بنية تحتية دفاعية، لكنها ليست جدارًا مثل تلك التي كنت تراها في العصور الوسطى».

استراتيجية موسعة

وتقوم بعض الدول بتوسيع نطاق هذه الاستراتيجية لتشمل حدودها، إذ قامت الكاميرون بتحصين ما يقرب من 200 كيلومتر من حدودها مع نيجيريا.

كما شيدت توغو أكثر من 36 كيلومترًا من الخنادق الأمنية على طول حدودها مع بوركينا فاسو وبنين لردع الإرهابيين.

واقترح كريستوفر موسى، وزير الدفاع النيجيري، حماية الحدود البرية لبلاده البالغ طولها 4,000 كيلومتر من خلال مزيج من الحواجز التقليدية والمراقبة التكنولوجية.

لكن هذه الحواجز المتزايدة لها ثمنها. إذ يشعر السكان بأمان أكبر داخل النطاق الدفاعي لمدنهم، لكنهم لا يزالون مضطرين إلى الخروج لنقل البضائع والزراعة ورعي الماشية.

وفي بعض الحالات، تنتظر الجماعات الإرهابية ببساطة خروج الناس من المنطقة المحصنة لشن هجوم، وفق ما نقلته المجلة. 

وأوضح والتر: أن “حشد السكان في المدن المحصنة يعرض المزيد من الناس للهجمات عندما يخرجون بحثًا عن سبل العيش خارج نطاق هذه المدن”، متابعا «وقد تسبب ذلك في مشاكل لوجستية وأمنية كبيرة للمدنيين. فعندما يرغبون في التنقل بين المدن، يصبحون أكثر عرضةً من ذي قبل لعمليات الاختطاف».

كما تثار تساؤلات حول جدوى هذه الاستراتيجية على المدى الطويل. فالأمطار والتآكل يمكن أن يؤديا إلى تدهور الحواجز، التي تتطلب صيانة منتظمة.

وفي حادثة مروعة بشكل خاص وقعت عام 2024 في بارسالوغو، بوركينا فاسو، قُتل حوالي 300 شخص كانوا يحفرون خندقاً دفاعياً على يد إرهابيي جماعة تدعى “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، في أسوأ هجوم من نوعه في تاريخ البلاد.

خطر الانقسام 

وقال المحلل السياسي أنور المورجاني إن هناك «خطرًا من الانقسام» في منطقة الساحل مع انسحاب المواطنين إلى ما وراء الجدران. وكتب في موقع «أفريكا آي» الإلكتروني: «بدون حوكمة محلية أقوى، وخدمات عامة موثوقة، وسبل عيش مستدامة خارج المدن المحمية، قد تصبح الحواجز الدفاعية سمات دائمة لمنطقة تتزايد انقساماتها».

وأضاف أن الهدف يجب أن يكون تعزيز الترابط وبناء شبكات تسمح بازدهار التجارة والتعاون، بدلا من المتاريس. 

وكتب المورجاني: «إن الاختبار على المدى الطويل هو… ليس فقط ما إذا كانت المدن قادرة على الصمود في وجه الهجمات، بل ما إذا كانت الحكومات قادرة على إعادة ربطها بالمجتمعات الريفية والشبكات الاقتصادية التي يعتمد استقرارها عليها».