الصين تعاقب «هالو كيتي» بعد تأديب «مبابي».. استعراض خشن لقوة الاقتصاد الناعمة

الصين تعاقب «هالو كيتي» بعد تأديب «مبابي».. استعراض خشن لقوة الاقتصاد الناعمة

اقتصاد

الصين تعاقب «هالو كيتي» بعد تأديب «مبابي».. استعراض خشن لقوة الاقتصاد الناعمة

في ساعات معدودة، نجحت الصين في إجبار كيانات رياضية وصناعية معروفة عالميا على الاعتذار والتراجع عن مواقف رأت أنها مسيئة لبكين.

وفي واقعتين فقط، ظهر التأثير الصيني الكبير على قطاعين من أهم القطاعات الجماهيرية عالميا: الفن والرياضة.

من صدمة ترويض النجم الفرنسي كيليان مبابي على خلفية تعليق عفوي، إلى الاستسلام التجاري للدمية اليابانية «هالو كيتي» تحت وطأة المقاطعة، كشفت بكين عن قوة ناعمة حقيقية، ولكن في استعراض خشن ومدروس.

كيليان مبابي.. عندما يصبح “الميم” زلزالا اقتصاديا

بدأت الأحداث مع نجم كرة القدم الفرنسي كيليان مبابي، الذي وجد نفسه في عين العاصفة بعدما سُئل في فيديو عن الميم (الصورة الساخرة) المفضل لديه، فأجاب مبتسما أنه فيديو لشخص يرى أنه “ديكتاتور صيني”.

لاحقا، تبين أن الميم لوجه مبابي مركب على جسد الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي قاد الحزب الشيوعي خلال مراحله الأولى الحاسمة، ومؤسس جمهورية الصين الشعبية بصورتها الحديثة.

ويتمتع ماو بإجلال دولي حتى اليوم، داخل الصين وخارجها.

ويطلق مشجعو كرة القدم على الإنترنت لقب “الديكتاتور” على مبابي على سبيل المزاح، إذ يرون أنه يطغى بحضوره على كثير من زملائه.

الصين تعاقب «هالو كيتي» بعد تأديب «مبابي».. استعراض خشن لقوة الاقتصاد الناعمة - صورة 1

لكن السلطات والشارع في الصين لم يتقبلا المزحة السخيفة؛ إذ انطلقت موجة غضب عارمة معتبرة أن ما حدث يمس رمزا تاريخيا، وسرعان ما تحولت الكلمات إلى إجراءات عقابية قاسية، حيث أعلنت شركات كبرى مثل «دونغفنغ» للمشروبات، وعملاق منتجات الألبان «منغنيو»، وشركة «ميلك غراوند» إنهاء عقودها مع مبابي فورا.

كما علقت مجموعة الصين للإعلام بث مباريات الدوري الإسباني (لا ليغا) التي يشارك فيها، وأزالت كافة إعلاناته.

ولاحقا، اضطر مبابي ونادي ريال مدريد، بالإضافة إلى رابطة الدوري الإسباني (عبر رئيسها خافيير تيباس الذي التقى السفير الصيني)، إلى تقديم اعتذارات رسمية متتالية لاحتواء الأزمة وحماية الشراكات الاستراتيجية مع بكين.

«هالو كيتي» في المقصلة

ولم تكد أزمة مبابي تهدأ، حتى ضربت العاصفة قطاعا مختلفا تماما؛ إذ اضطرت شركة “سانريو” اليابانية المالكة للعلامة التجارية الشهيرة للقطة “هالو كيتي” إلى إلغاء تعاونها مع مسلسل تلفزيوني ياباني يتناول قصص جاسوسية.

جاء ذلك بعد موجة غضب عارمة في الصين بسبب أحداث مسلسل «فيفانت» (VIVANT) الذي تنتجه شبكة “TBS” وتُعرض على نتفليكس، والذي يصور في موسمه الأخير جهاز استخبارات صينيا خياليا وهو يقوم باختطاف وتعذيب جواسيس يابانيين.

وعندما أصدرت “سانريو” تشكيلة من دمى “هالو كيتي” مرتدية ملابس مشابهة لجواسيس المسلسل، اشتعل الغضب الشعبي والإعلامي، وبدات الحملات لمقاطعة منتجات الشركة.

ولم تجد الشركة اليابانية سوى إصدار بيان اعتذار رسمي تقر فيه بأن التعاون “يتعارض مع فلسفتها” لتعلن إنهاءه فورا مخافة خسارة سوقها الضخم.

السطوة الاقتصادية

تثبت هاتان الواقعتان أن التدخل الصيني والمقاطعة لا يأتيان من فراغ، بل يحكمان بـ”قواعد اشتباك” صارمة تجعل العقوبات الاقتصادية جائزة ومتوقعة من منظور بكين في حالات محددة، وهي المساس بالرموز التاريخية والوطنية، والتعرض للسيادة والحساسيات الإقليمية، وجرح المشاعر الوطنية للشعب الصيني.

وراء كل هذه الاعتذارات المتسارعة يكمن السر الحقيقي: سطوة السوق واستهلاك الملايين.

ويعتمد عدد كبير جدا من الشركات اليابانية، ومن ضمنها “سانريو”، على الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لتحقيق قدر كبير من مبيعاتها، حيث حققت سانريو إيرادات بلغت 117 مليون دولار من السوق الصينية خلال النصف الأول من هذا العام، وفقا لوسائل إعلام صينية، بزيادة تجاوزت 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وبالعودة إلى عام 2019، تظهر حالة أخرى من سلسلة الحالات التي استخدمت فيها الصين نفوذها الاقتصادي لدفع شركات وأفراد أجانب إلى الاعتذار.

فقد أوقفت هيئة التلفزيون الحكومية الصينية بث مباريات دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين (NBA)، بعدما نشر داريل موري، المدير العام لفريق هيوستن روكتس آنذاك، تغريدة أعرب فيها عن دعمه للمتظاهرين المناهضين للحكومة في هونغ كونغ.

وتثبت الصين اليوم أن آلياتها القائمة على سلاح المقاطعة، وقوة الجمهور، وجاذبية السوق تجعل الاقتصاد هو أداة النفوذ الأقوى.