دول الساحل والجنائية الدولية.. انسحاب مؤجل بحسابات سياسية وأمنية

دول الساحل والجنائية الدولية.. انسحاب مؤجل بحسابات سياسية وأمنية

اعتبر خبراء أن التأخير في انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المحكمة الجنائية الدولية المعلن قبل 3 أشهر قد يكون مناورة سياسية.

وأشار الخبراء الأفارقة المتخصصون في منطقة الساحل إلى أن عدم تقديم الإشعار الرسمي للأمم المتحدة يعكس تعقيدات سياسية وقانونية داخلية تواجهها هذه الدول في الوقت الراهن.

وفي 22 سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت دول اتحاد دول الساحل المكونة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر بشكل مشترك أنها تنوي الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، واصفة إياها بأنها “أداة قمع غربي في يد القوى الإمبريالية”.

لكن 3 أشهر بعد هذا الإعلان، لم يصل حتى الآن أي إشعار رسمي إلى مكتب المعاهدات التابع للأمم المتحدة في نيويورك، وهو الإجراء المنصوص عليه في بند 127 من نظام روما ليصبح الانسحاب ساري المفعول.

هذا التأخير في الإجراءات القانونية الرسمية أثار تساؤلات عديدة بين المراقبين: هل هو مناورة سياسية لبناء ضغط أو تحصيل مكاسب، أم تأجيل فعلي لسبب داخلي أو خارجي.

بين السيادة والاتهامات بالانحياز

ودافع القادة العسكريون في مالي، النيجر، وبوركينا فاسو عن قرارهم بوصف المحكمة بأنها منحازة ضد القادة الأفارقة وتفتقر إلى ضمانات العدالة المتكافئة، وهو ادعاء تكرّر بقوة في بياناتهم الرسمية.

وقال الدكتور عيساكا سواري في المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية في داكار، لـ”العين الإخبارية” إن الدوافع المعلنة مرتبطة أساسًا بالسيادة الوطنية ورغبة هذه الدول في رفض ما تعتبره تدخلاً خارجيًا في شؤونها الداخلية”.

وأضاف سواري أن الاحتجاج على المحكمة يأتي في إطار تحولات جيوسياسية واسعة في المنطقة، حيث تسعى هذه الأنظمة إلى إعادة تعريف علاقاتها مع المنظومة الدولية”.

وأشار سواري إلي المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية إلى أن “الاتهامات بالنيوكولونيالية غالبًا ما تستخدم سياسيًا لخلق رواية شعبية موحدة ضد الهيئات الدولية، لكن الخلفيات الحقيقية تتعلق أكثر بالضغوط السياسية الداخلية والأزمات الأمنية المعمّقة في الساحل”.

التأثير على العدالة وحقوق الإنسان

من جانب آخر، تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن انسحاب الدول الثلاث، إذا تم بشكل رسمي، قد يضعف منظومة حقوق الإنسان ويعرض المدنيين للخطر.

وصرح مريسو سيفيود، المدير الإقليمي لـ”أمنستي” الدولية في إفريقيا الغربية والوسطى، بأن: “انسحاب هذه الدول من نظام روما سوف يكون انتكاسة خطيرة في مكافحة الإفلات من العقاب وحرمانًا للضحايا من فرصة الوصول إلى العدالة”، بحسب ما نقلت مجلة “جون أفريك” الفرنسية.

وركز سيفيود على أن انسحابًا فعليًا سيُضعف آلية دولية كانت تستخدم كملاذ أخير للضحايا حين تعجز المحاكم الوطنية عن التحقيق في الجرائم الأشد خطورة.

الجانب القانوني: خطوة معلنة لكنها غير مكتملة

بدوره، قال الباحث جان هيرفي جِزكويل، المدير الميداني لمشروع الساحل في مجموعة الأزمات الدولية لـ”العين الإخبارية” إنه من منظور قانوني خالص، لا يزال الانسحاب غير مكتمل، لأن لم يقدم أي إشعار رسمي إلى الأمم المتحدة كما ينص نظام روما، وبالتالي تبقى الدول الثلاث متابعة لالتزاماتها تجاه المحكمة حتى إشعار آخر وهذا ما يثير احتمالات تأجيل متعمّد أو مراجعة داخلية قبل تقديم الخطوة النهائية، وربما استغلال هذا التأخير في حسابات سياسية أو دبلوماسية.

التركيز على السيادة الوطنية

وأضاف جِزكويل: “المسألة هنا ليست القضاء الدولي فقط، بل أيضًا استعادة تحكّم النخب الحاكمة في أجهزة الدولة، بعيدًا عن النفوذ الذي يمثله هيكل دولي ينظر إليه في بعض الأوساط كجزء من إرث النفوذ الغربية”.

 المنظور الأمني والمخاوف المحلية

وأوضح جزكويل أنه في سياق مواجهة الجماعات المسلحة، هذه الدول تريد التأكيد على أن قراراتها القانونية والسياسية تصدر من داخل منظومتها القانونية، لا من هياكل دولية ترى على أنها بعيدة عن الواقع المحلي.

أشار جزكويل إلى أن الانسحاب المعلن عن المحكمة الجنائية الدولية يحمل أبعادًا رمزية وسياسية تتجاوز مجرد المسألة القانونية، حيث تستخدمه النخب الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو لإعادة ترسيخ شرعيتها الوطنية أمام الرأي العام المحلي وتعزيز صورتها كمدافعة عن السيادة الوطنية.

وأضاف أن هذا التأخير في الإجراءات الرسمية قد يُستغل أيضًا كأداة تفاوضية مع الشركاء الدوليين للحصول على تنازلات سياسية أو دعم اقتصادي في ظل الأزمات الأمنية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة.

أما من منظور حقوق الإنسان والحماية المدنية، أشار جزكويل إلى أن انسحاب هذه الدول، إذا تمّ بشكل رسمي، قد يُضعف قدرة المجتمع الدولي على مساءلة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة وتهدد وصول المدنيين للعدالة، مشددًا على أن الموازنة بين السيادة الوطنية والتزامات الدول الدولية تبقى أحد أبرز التحديات في إدارة النزاعات في الساحل الإفريقي، وما يزال المراقبون ينتظرون خطوة ملموسة من هذه الدول لتحديد مدى جديتها في الانسحاب.

aXA6IDE5OS4xODguMjAxLjIzMyA= جزيرة ام اند امز US