في أحد أقبية سيدني، تقبع رسالة ملكية دخلت في سباق طويل مع الزمن. لا يعرف أحد ما تخفيه كلماتها، ولا حتى أفراد الطاقم الشخصي للملكة إليزابيث الثانية، صاحبة الرسالة التي كتبتها قبل نحو 40 عاماً ووضعت لها موعداً بعيداً لفتحها.
وبينما طويت صفحة عهد الملكة بوفاتها، لا تزال رسالتها تنتظر من سيفك ختمها في عام 2085، لتصل كلماتها إلى جيل لم تره صاحبتها ولن تعرفه.
كتبت إليزابيث الثانية الرسالة في نوفمبر/تشرين الثاني 1986، عقب أعمال الترميم الرئيسية لمبنى الملكة فيكتوريا، أحد أبرز المعالم التاريخية في قلب سيدني. ثم سلمتها إلى عمدة المدينة، مع تعليمات واضحة تقضي بعدم فتح الظرف إلا في يوم مناسب يختاره العمدة خلال عام 2085، على أن تُنقل محتوياتها إلى مواطني سيدني.
ولا تكشف الرسالة نفسها عن مضمونها؛ فالذي يظهر للزائر هو التعليمات التي كتبتها الملكة، فيما بقي محتوى الظرف مغلقاً طوال هذه العقود. ووُضعت الرسالة داخل إطار محفوظ في علبة زجاجية، في مكان آمن داخل المبنى، لتظل شاهداً مادياً على حقبة كاملة من تاريخ المدينة والملكة.
- هاري وميغان لن يضطلعا بمهام ملكية.. تشارلز يحسم الجدل
وتزداد غرابة القصة مع مرور الزمن. فعندما كتبت إليزابيث رسالتها عام 1986، كان أمامها نحو قرن تقريباً من المستقبل الذي تخاطبه. أما اليوم، وبعد أربعة عقود، فقد انقضى جزء كبير من تلك المسافة الزمنية، ولم يعد يفصل العالم عن الموعد المحدد سوى نحو 19 عاماً.
لماذا اختارت الملكة هذا التاريخ؟
لا تقدم المعلومات المتاحة تفسيراً واضحاً لسبب اختيار عام 2085 تحديداً، كما لا توجد مؤشرات معروفة تكشف موضوع الرسالة. ولذلك فإن كل ما يتعلق بمضمونها يظل في دائرة التوقعات، فيما تبقى التعليمات الملكية هي الدليل الوحيد المتاح بشأن مقصدها.
وتكتسب الرسالة دلالة إضافية من طبيعة المبنى الذي اختير لحفظها. فقد افتُتح مبنى الملكة فيكتوريا عام 1898، احتفاءً باليوبيل الماسي للملكة فيكتوريا، قبل أن يخضع لاحقاً لعمليات ترميم واسعة. وبعد قرابة قرن، تركت إليزابيث الثانية أثراً جديداً في المكان، لكن أثرها هذه المرة لم يكن تمثالاً أو لوحة تذكارية، بل كلمات اختارت أن تحجبها عن الحاضر وتتركها للمستقبل.
وكانت إليزابيث قد زارت أستراليا 16 مرة خلال فترة حكمها، وكانت زيارتها الأولى عام 1954، بعد عامين فقط من اعتلائها العرش، عندما كانت في السابعة والعشرين من عمرها. وبذلك ارتبطت علاقتها بأستراليا بسبعة عقود تقريباً، وهو ما يمنح الرسالة سياقاً شخصياً وتاريخياً يتجاوز كونها مجرد وثيقة مؤجلة.
ليست الرسالة الوحيدة التي قاومت الزمن
فكرة ترك رسالة أو مجموعة من الوثائق للأجيال المقبلة ليست جديدة. ففي الولايات المتحدة، دُفنت عام 1795 كبسولة زمنية داخل مبنى ولاية ماساتشوستس، وضعها صامويل آدامز وبول ريفير، وظلت مخفية قرابة قرنين قبل إعادة اكتشافها وفتحها في 2014. وعثر بداخلها على عملات وصحف ووثائق وتذكارات من حقبة الثورة الأمريكية.
وفي حالة أخرى، أُغلقت رسائل حب كتبها الرئيس الأمريكي وارن هاردينغ لعشيقته لعقود. وبعد وفاة صاحبة الرسائل، أُودعت المجموعة في مكتبة الكونغرس مع شرط إبقائها مغلقة لمدة 50 عاماً، قبل أن يُرفع الحظر عنها عام 2014 وتتاح نسخ منها للجمهور.
وفي 2026، وُضعت كبسولة زمنية أمريكية جديدة تضم رسائل وأعمالاً فنية ومواد تذكارية، على أن تُفتح في عام 2276، بمناسبة مرور 500 عام على استقلال الولايات المتحدة.
لكن رسالة إليزابيث تختلف عن كثير من هذه الأمثلة؛ فهي رسالة شخصية من ملكة إلى مدينة، ومحتواها مجهول حتى اليوم، بينما حددت صاحبتها بنفسها زمناً بعيداً للغاية لفتحها. ولهذا، فإن الفضول حولها لا يتعلق فقط بما كتبته إليزابيث، بل بمن سيقرأ كلماتها بعد 59 عاماً من وفاتها، وكيف ستبدو سيدني والعالم عندما يحين الموعد.
وفي عام 2085، حين يفتح عمدة سيدني الظرف أخيراً، لن يكون السؤال ماذا كتبت الملكة فحسب، بل أيضاً: ماذا كانت ترى في مستقبل لم تكن تعرف إن كانت ستشهده، وتركته عمداً لأعين لم تولد بعد؟

