روبيو وكوبا.. «حلم قديم» يتحول إلى تحرك أمريكي متصاعد نحو «التغيير»

في مشهدٍ غير معتاد داخل أروقة الدبلوماسية الأمريكية، كشف وزير الخارجية ماركو روبيو عن تفاصيل شخصية طريفة عن تأثير انخفاض نسبة السكر في دمه على مزاجه.

وبحسب صحيفة «التايمز»، اعترف روبيو بأن اتباعه نظام «الكيتو» الغذائي قبل سنوات جعله يعيش «حالة ذهانية شبه كاملة» دفعته إلى التفكير في قصف باراغواي دون سبب منطقي. 

  • شبح «خليج الخنازير» يخيم على كوبا.. تحرك سري جديد لـ«سي آي إيه»

غير أن هذه النكتة التي رواها خلال بودكاست مع زوجته تخفي خلفها حقيقة أكثر خطورة: ففي ملف كوبا، لا يحتاج روبيو إلى أي نقص في الكربوهيدرات ليُطلق العنان لحماسه الإطاحي.

قصة عائلة تشكّل هوية سياسية

خلفية روبيو العائلية ليست مجرد تفصيل في سيرته الذاتية، بل تشكل جوهر رؤيته السياسية تجاه الجزيرة الكاريبية. فوزير الخارجية، الذي غادر والداه كوبا عام 1956، أي قبل ثلاث سنوات من ثورة فيدل كاسترو، نشأ في ميامي، على مسافة 90 ميلاً فقط من وطنه الأم.

وفي مذكراته «ابن أمريكي»، يروي روبيو كيف كان يجلس على شرفة منزل طفولته ويقطع وعدًا لجده بأنه «سيقود يومًا ما جيشًا من المنفيين للإطاحة بكاسترو ويصبح رئيسًا لكوبا الحرة». ورغم أن هذا الحلم الأخير يبدو بعيد المنال، فإن الأول بات أقرب من أي وقت مضى، وفقًا لما يراه مراقبون في واشنطن.

روبيو وكوبا.. «حلم قديم» يتحول إلى تحرك أمريكي متصاعد نحو «التغيير» - صورة 1

وتتسق تحركات الإدارة الأمريكية الحالية مع ما يُعرف بـ«مبدأ دونرو»، وهي استراتيجية للأمن القومي صدرت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتنص على رفض واشنطن أي وجود لقوى خارجية في نصف الكرة الغربي.

وبعد أربعة أسابيع فقط من نشرها، كانت الغارة الليلية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي يقبع حاليًا في سجن نيويوركي، بمثابة رسالة عملية مفادها أن الإدارة مستعدة لترجمة الكلام إلى أفعال.

ولا يخفي مساعدون سابقون لترامب أن فنزويلا كانت مجرد محطة على طريق الهدف الأكبر، وهو كوبا، التي يقول عنها أحدهم: «ماركو يريد الوصول إليها، إنها هدفه الأسمى».

الخناق الاقتصادي يضيق على هافانا

تمكنت واشنطن من خنق الاقتصاد الكوبي عبر قطع إمدادات النفط الفنزويلية بعد تثبيت حكومة موالية لها في كاراكاس، كما أوقفت المكسيك شحناتها تحت ضغوط أمريكية وتهديدات جمركية.

وقد أثمرت هذه السياسة عن نتائج كارثية في كوبا، تمثلت في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وهو ما يراه المسؤولون الأمريكيون دليلًا إضافيًا على فشل النموذج الشيوعي.

وفي مايو/أيار الماضي، سافر مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف إلى هافانا، حاملًا رسالة عرض فيها المساعدة الاقتصادية والأمنية، بشرط إجراء تغييرات جذرية في الاقتصاد والعلاقات مع روسيا والصين.

وكشفت مصادر هذا الشهر عن إنشاء وكالة المخابرات المركزية فريق عمل سريًا خاصًا بكوبا، يهدف إلى تنفيذ حملة منسقة لإحداث التغييرات الاقتصادية والسياسية والقيادية التي ترغب بها الإدارة.

وأثارت هذه الخطوة مخاوف مسؤولين سابقين في الوكالة من أنها قد تمهد الطريق لعمل عسكري أو عمليات تهدف إلى تغيير النظام.

ولم تكتفِ واشنطن بذلك، بل نشرت وزارة الخارجية تقريرًا من 100 صفحة بعنوان «كوبا: عاصمة الشيوعية في القرن الحادي والعشرين»، يتناول شبكة النفوذ السياسي والاستخباراتي للجزيرة ودعمها للحركات اليسارية في محيط الولايات المتحدة وداخلها، في رسالة مفادها أن كوبا تشكل تهديدًا حقيقيًا اليوم.

بين الإغراء والترهيب.. وسيناريوهات التغيير

وتتباين الخيارات المطروحة داخل الإدارة الأمريكية بين السلمي والعسكري، حيث يفضل المسؤولون أن يبادر الكوبيون أنفسهم إلى التغيير، عبر تنحي الرئيس ميغيل دياز كانيل، إما بتحرك من المسؤولين والجيش أو بانتفاضة شعبية. 

وفي رسالة بمناسبة عيد استقلال كوبا، تحدث روبيو بالإسبانية، ملقيًا باللوم على الحكومة في انقطاع الكهرباء ونقص الغذاء، وعارضًا 100 مليون دولار كمساعدات غذائية وطبية، في مزيج من الإغراء والترهيب. 

روبيو وكوبا.. «حلم قديم» يتحول إلى تحرك أمريكي متصاعد نحو «التغيير» - صورة 2

إلا أن التساؤل الأهم يبقى: هل يرغب ترامب حقًا في مغامرة خارجية جديدة، خصوصًا في ظل تورطه في ملف إيران الذي تحول إلى مستنقع، واعتراف نائبه جي دي فانس بأن الأولوية الجديدة هناك هي الحفاظ على انخفاض أسعار النفط لا أكثر؟

ويظهر التاريخ أن مغامرة كوبا محفوفة بالمخاطر، كما حدث في غزو خليج الخنازير عام 1961، حيث تحولت العملية التي مولتها وكالة المخابرات المركزية إلى كارثة دفعت الاتحاد السوفياتي إلى نقل صواريخه إلى الجزيرة، وأدت إلى أزمة نووية تُعد أخطر لحظة في التاريخ البشري.

ورغم ذلك، يرى مقربون من الإدارة أن كوبا اليوم تشكل مشكلة أكبر بسبب تدهور نظامها وملء الصين للفراغ، مع طموحاتها للتوسع في أمريكا الجنوبية.

وبينما يرى البعض أن كوبا «مكان رائع قبل كاسترو» يمكن استعادته، يبقى السؤال المفتوح حول من سيقودها في المستقبل، خاصة مع ظهور أسماء من داخل النظام، مثل راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الرئيس السابق، الذي أبدى استعداده لتحمل المسؤولية والتعامل مع أي طرف أمريكي.