أعاد مشروع تجديد قصر بوربون، مقر الجمعية الوطنية الفرنسية في باريس، تأجيج جدل سياسي وثقافي حول حدود تحديث المؤسسات العامة عندما يصطدم بالتراث المعماري والقيود المالية.
ووفقا لصحيفة التايمز، فقد اندلعت شرارة الجدل الجديدة بعد موافقة سلطات باريس، في يوليو/تموز الماضي، على تعديل رئيسي في قواعد التخطيط، بما أعاد إلى الواجهة مشروعاً متوقفاً منذ عام 2025 لإنشاء جناح استقبال زجاجي للزوار.
- «أنقذها» الحَرّ بعدما «أدانها».. وزيرة فرنسية تتراجع عن استقالتها
وبينما يرى مؤيدوه أنه استجابة ضرورية للزيادة المتواصلة في أعداد الزائرين وتحسين إمكانية الوصول إلى البرلمان، يعتبره منتقدوه إنفاقاً غير مبرر وتشويهاً محتملاً لأحد أبرز المعالم التاريخية في العاصمة الفرنسية.
قصر بوربون.. تحديث يصطدم بجدار التراث
يقع قصر بوربون، الذي شُيد في القرن الثامن عشر على ضفاف نهر السين، داخل منطقة تخضع لحماية تراثية صارمة، ما يجعل أي تغيير في محيطه خاضعاً لسلسلة معقدة من الموافقات. ويقترح المشروع استبدال الجناح الحالي الملاصق للقصر بمنشأة زجاجية حديثة تستهدف تنظيم دخول الجمهور واستيعاب الأعداد المتزايدة من الزوار.

غير أن التصميم يواجه تدقيقاً من سلطات الدولة ومدينة باريس والجهات المختصة بحماية المباني التاريخية، التي تملك صلاحية طلب تعديلات جوهرية على المشروع.
وفي منتصف يوليو/تموز، أصدرت بلدية باريس رأياً استشارياً إيجابياً بشأن تعديل قواعد التخطيط، مؤكدة أن الخطوة لا تمثل ترخيصاً نهائياً بالبناء ولا موافقة غير مشروطة على التصميم.
ومع ذلك، أزالت هذه الخطوة إحدى العقبات الإجرائية الرئيسية، وأعادت الملف إلى صدارة النقاش العام، بعدما كان قد تراجع خلال الأشهر الماضية.
53 مليون يورو وعريضة بـ90 ألف توقيع
يتصدر حزب «التجمع الوطني» اليميني جبهة المعارضة السياسية للمشروع، إذ دعا النائب سيباستيان شينو إلى إعادة طرحه للتصويت داخل مكتب الجمعية الوطنية، بدعوى عدم كفاية المشاورات مع النواب.
في المقابل، تؤكد الدائرة المقربة من رئيسة الجمعية الوطنية، يائيل براون-بيفيه، أن المشروع حظي بموافقة جميع المجموعات السياسية الممثلة في المكتب عند إقراره في سبتمبر/أيلول 2024.
ولم تتوقف الاعتراضات عند حدود البرلمان، إذ أطلقت جمعية «المواقع والمعالم» عريضة شعبية ضد المشروع عام 2025، محذرة من تأثير الجناح الزجاجي في الطابع التاريخي لباريس وقصر بوربون.
وقد تجاوز عدد الموقعين عليها 90 ألفاً، في مؤشر على اتساع الحساسية الشعبية تجاه أي تدخل معماري في المناطق التاريخية للعاصمة.
وتزداد حدة الجدل بسبب التكلفة المقدرة للمشروع، والبالغة 53 مليون يورو، في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطاً متزايدة على ماليتها العامة.
وتؤكد الجمعية الوطنية، أن المشروع سيمول بالكامل من احتياطياتها الخاصة، وليس عبر اعتمادات إضافية من دافعي الضرائب، كما تشير إلى أن جزءاً من المبالغ المرصودة خُصص بالفعل لدراسات تتعلق بتحسين الوصول إلى القصر وستُستخدم نتائجها في المشروع الجديد.
هرم اللوفر.. سابقة معمارية أم مقارنة مضللة؟
تحاول الجمعية الوطنية تهدئة المخاوف عبر مواصلة التشاور مع سلطات الدولة ومدينة باريس والجهات المعنية بالتراث، مؤكدة استعدادها لتعديل التصميم بما يضمن توافقه مع المعايير المعمارية والبيئية وحماية الطابع التاريخي للقصر.

ويصر المعارضون في المقابل على أن التمويل الذاتي لا يلغي الحاجة إلى تقييم جدوى الإنفاق، معتبرين أن الاحتياطيات العامة كان يمكن توجيهها إلى ترميم أجزاء قديمة من المبنى أو تعزيز أنظمة الأمن والحماية من الحرائق.
ويستحضر الجدل تجربة هرم اللوفر الزجاجي، الذي أثار عند إنشائه في ثمانينيات القرن الماضي معارضة واسعة قبل أن يتحول إلى أحد أشهر رموز باريس المعمارية. إلا أن خصوم مشروع قصر بوربون يرون أن المقارنة غير دقيقة، لأن القصر يمثل رمزاً سياسياً ودستورياً، وليس مجرد موقع ثقافي.

