«سل الزيتون» يهدد المحاصيل في تونس.. إجراءات استثنائية لحماية ملايين الأشجار

«سل الزيتون» يهدد المحاصيل في تونس.. إجراءات استثنائية لحماية ملايين الأشجار

تواجه غابات الزيتون في تونس تحديًا صحيًا جديدًا مع تسجيل إصابات بمرض «سل الزيتون» البكتيري في منطقة ملولش بمحافظة المهدية.

يأتي ذلك بالتزامن مع انطلاق موسم جني المحاصيل، ما دفع وزارة الفلاحة إلى إطلاق تدخلات عاجلة لتطويق المناطق المصابة والحد من انتقال العدوى إلى الأشجار السليمة.

وتكتسب التطورات أهمية خاصة في بلد يمثل فيه الزيتون ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي والصادرات، ومصدر دخل لمئات الآلاف من المزارعين والعاملين في أنشطة الإنتاج والعصر والتعبئة والتصدير.

وزارة الفلاحة التونسية تتحرك لاحتواء المرض

أعلنت وزارة الفلاحة التونسية، في بيان صدر الخميس، تكثيف المتابعة الميدانية عقب تسجيل حالات إصابة بمرض سل الزيتون في بعض مناطق الإنتاج بمنطقة ملولش التابعة لمحافظة المهدية الساحلية، مؤكدة تنفيذ تدخلات استعجالية للحد من انتشار المرض وحماية غراسات الزيتون السليمة في المنطقة والمناطق المجاورة.

وأوضحت الوزارة أنها بدأت، منذ أواخر سبتمبر الماضي، تشكيل فرق فنية متعددة الاختصاصات انتقلت إلى المواقع المتضررة لإجراء المعاينات الصحية وتحديد حجم الإصابة، تمهيدًا لتنفيذ برنامج استثنائي للمكافحة.

ويتضمن البرنامج تطويق البؤر المصابة، وتقليم الأشجار شديدة الإصابة، والتخلص من الأغصان المصابة بطرق آمنة، إلى جانب تنفيذ عمليات وقائية تستهدف أشجار الزيتون في المناطق المعنية.

كما قررت الوزارة تشكيل فرق فنية محلية في المحافظات المنتجة للزيتون، بهدف رصد الإصابات مبكرًا، وتعزيز عمليات الاستكشاف والتقصي، ووضع خطط استباقية تحول دون اتساع نطاق انتشار المرض.

ودعت المزارعين والمهنيين إلى التواصل مع المصالح المختصة للحصول على الإرشادات الفنية اللازمة للتعامل مع الإصابات والحد من مخاطر انتقال العدوى.

«سل الزيتون» يهدد المحاصيل في تونس.. إجراءات استثنائية لحماية ملايين الأشجار - صورة 1

ما مرض سل الزيتون؟ وكيف يؤثر في الأشجار؟

يُعد سل الزيتون مرضًا بكتيريًا تسببه بكتيريا «سودوموناس سافاستانوي»، ويصيب الأجزاء الخشبية من شجرة الزيتون، خصوصًا الأغصان والفروع، حيث تظهر تورمات وتكتلات خشنة تشبه العقد، وقد تتسبب الإصابات الشديدة في جفاف بعض الأفرع وتراجع إنتاجية الأشجار. 

وتزداد مخاطر انتشار المرض في الظروف الرطبة والممطرة، إذ يمكن أن تنتقل البكتيريا مع مياه الأمطار، كما تسهم الجروح الناتجة عن التقليم أو البَرَد أو عمليات الجني في تسهيل دخولها إلى أنسجة الشجرة.

ورغم أن المرض لا يؤدي بالضرورة إلى موت الأشجار الكبيرة، فإن تأثيره قد يكون أشد على الشتلات والأشجار الصغيرة، كما يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الإنتاج في الأشجار المصابة. لذلك تكتسب سرعة اكتشاف الإصابة والتعامل معها أهمية كبيرة في حماية المحاصيل.

إجراءات وقائية للحد من انتشار العدوى

قدمت الباحثة إيمان المانسي مجموعة من التوصيات الفنية للمزارعين للحد من انتشار المرض، أبرزها تعقيم أدوات الجني والتقليم، وتجنب إحداث جروح غير ضرورية في الأغصان، وعدم استخدام العصي لإسقاط ثمار الزيتون خلال موسم الحصاد.

وشددت على أهمية البدء بالأشجار السليمة عند تنفيذ أعمال التقليم، ثم الانتقال إلى الأشجار المصابة، مع تنظيف الأدوات وتعقيمها بانتظام لتقليل احتمالات نقل البكتيريا بين الأشجار.

كما أوصت بشراء الشتلات من المشاتل المرخصة، وإجراء التقليم في الطقس الجاف بدلًا من الفترات الممطرة وعالية الرطوبة، والتعامل سريعًا مع الأغصان المصابة والتخلص منها وفق الإرشادات الزراعية المعتمدة.

وتتفق هذه الإجراءات مع توصيات إرشادية متخصصة لمكافحة سل الزيتون، تؤكد ضرورة استخدام شتلات سليمة، وتطهير أدوات التقليم، وإزالة الأجزاء المصابة والتخلص منها بعيدًا عن الأشجار السليمة. 

لماذا يمثل المرض تحديًا للاقتصاد التونسي؟

تنبع أهمية احتواء المرض من المكانة الاستراتيجية التي يحتلها الزيتون في تونس، حيث تشكل زراعته مصدر دخل رئيسيًا للمزارعين، وتسهم منتجاته في دعم الصادرات الزراعية وتوفير فرص العمل في المناطق الريفية.

ووفقًا للأرقام الواردة في البيانات المقدمة، تمتد غابات الزيتون التونسية على أكثر من 2.1 مليون هكتار، وتضم أكثر من 147 مليون شجرة، وترتبط بنحو 309 آلاف ضيعة فلاحية.

وتسهم منظومة زيت الزيتون بنحو 10% من قيمة الإنتاج الزراعي في البلاد، وما يقارب 44% من إجمالي الصادرات الزراعية، فيما يبلغ متوسط صادرات زيت الزيتون خلال السنوات الخمس الأخيرة نحو 212 ألف طن سنويًا.

وتتصدر محافظة صفاقس المناطق المنتجة بحصة تبلغ 17% من الإنتاج الوطني، تليها محافظات المهدية وسيدي بوزيد وسوسة والقيروان، ما يبرز أهمية حماية المناطق الزراعية المنتجة من الأمراض النباتية التي قد تؤثر في حجم المحاصيل.

ويضم القطاع نحو 1750 معصرة، إلى جانب وحدات للتكرير واستخراج زيت الثفل والتعبئة والمعالجة، كما يوفر مصدر رزق مباشرًا وغير مباشر لأكثر من مليون تونسي، وفق الأرقام الواردة في المادة الأصلية.

وفي ظل هذه الأهمية الاقتصادية، تركز جهود السلطات التونسية حاليًا على احتواء بؤر الإصابة في ملولش، وتعزيز المراقبة في المناطق المنتجة، وتوعية المزارعين بأساليب الوقاية، بما يساعد على الحد من الخسائر وحماية الأشجار السليمة خلال موسم الجني.