في قلب محمية روغو الممتدة بين نيجيريا والنيجر، لا تبدو الحياة كما تظهر في الخرائط الرسمية.
فتحت شمس الظهيرة الحارقة، يجلس رجال ملثمون بملابس مموهة وبنادق كلاشينكوف إلى جانب دراجات نارية وزجاجات مياه ومشروبات طاقة، في مشهد يومي داخل منطقة باتت أقرب إلى فضاء خارج سيطرة الدولة.
- تحدي الإرهاب قبل رئاسيات نيجيريا.. إجابات قديمة عن أسئلة مستجدة (خاص)
هنا لا تُدار القوة عبر المؤسسات، بل عبر شبكات مسلحة تتنقل بحرية بين الغابات والقرى، وتفرض قواعدها الخاصة على السكان في واحدة من أكثر الأزمات الأمنية تعقيداً في نيجيريا.
يصف السكان هؤلاء المسلحين بالإرهابيين وقطاع الطرق، في إشارة إلى الجماعات التي راكمت خلال السنوات الماضية سجلاً من الاختطاف والقتل وسرقة الماشية والهجمات على القرى.
غير أن قادة هذه العصابات يقدّمون سردية مختلفة، تقوم على التهميش وغياب الفرص وضعف حضور الدولة. أحد أبرز هؤلاء، أبو رادي بيلو، البالغ من العمر 32 عاماً، يرفض تصنيف جماعته ضمن خانة الإجرام، ويقول إن هدفها المعلن هو توفير سبل العيش.
لكن الواقع الميداني يرسم صورة أكثر قسوة؛ إذ تحولت مئات الجماعات المسلحة منذ عام 2011 إلى قوة عنف منظمة تركت وراءها آلاف القتلى ومجتمعات ممزقة.

وتكشف الأرقام حجم الكارثة. فقد وثّق مرصد النزاعات «أكليد» مقتل 13485 شخصاً في سبع ولايات بشمال غرب نيجيريا بين عامي 2010 و2023 نتيجة أعمال مرتبطة بقطاع الطرق.
خلف هذه الحصيلة تقف سلسلة من العوامل المتشابكة: النزاعات على الأرض بين المزارعين والرعاة، وتفاقم آثار التغير المناخي، وتراجع الغطاء النباتي، إضافة إلى ضغط النمو السكاني على الموارد المحدودة.
مع مرور الوقت، تحولت بعض الجماعات الرعوية، التي بدأت كآليات أهلية لحماية المصالح، إلى تشكيلات مسلحة أكثر تنظيماً وأوسع نفوذاً.
وينتمي كثير من عناصرها إلى مجتمعات الفولاني المنتشرة عبر دول عدة في غرب أفريقيا، ما منح هذه الشبكات بعداً عابراً للحدود يصعب على السلطات احتواؤه.
ومع غياب الحلول الجذرية، أصبحت الغابات مناطق مثالية للاختباء وتنظيم عمليات الاختطاف وإدارة اقتصاد غير رسمي قائم على الابتزاز والفدية.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الجريمة المنظمة. ففي مناطق أخرى من شمال نيجيريا، يتداخل العنف مع التوترات العرقية والدينية، لتتراجع قدرة الدولة على فرض القانون أمام تشابك الهويات والمصالح.
وتحوّلت محميات طبيعية ومناطق ريفية كاملة إلى مساحات شبه معزولة عن الإدارة الرسمية، حيث لا تصل الخدمات ولا تظهر بعض المستوطنات على الخرائط، بينما تتوسع سلطة الجماعات المسلحة يوماً بعد يوم.
ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت فترات تراجع مؤقتة في أعداد الضحايا، فإن الاتجاه العام عاد ليتصاعد. فبعد تسجيل 392 حالة وفاة مرتبطة بالإرهاب عام 2022، ارتفع الرقم إلى 750 حالة في عام 2025، في قفزة تعكس عودة العنف بوتيرة أكثر حدة وتنظيماً.
وبالتوازي، باتت عمليات الاختطاف تتحول إلى أدوات ضغط سياسي وأمني، كما حدث عندما اختُطفت 25 تلميذة من مدرسة في ولاية كيبي بهدف إجبار السلطات على الإفراج عن معتقلين مقابل إطلاق سراحهن.

هذه الحوادث لم تعد استثناءً، بل جزءاً من نمط متكرر يمنح الجماعات المسلحة شعوراً متزايداً بالإفلات من العقاب. ومع انتشار مظاهر التباهي بالغنائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد القوة المسلحة مجرد وسيلة للبقاء، بل أصبحت مصدراً للمكانة والنفوذ داخل بعض البيئات المحلية.
وفي ظل هذا الواقع، بدأت بعض المجتمعات المنهكة من العنف تبحث عن حلول خارج الدولة نفسها. فقد ظهرت اتفاقات غير رسمية بين سكان محليين وعصابات مسلحة تتيح للأخيرة حرية الحركة والعمل في الأسواق مقابل وقف الهجمات.
هذه الهدنات، وإن وفرت هدوءاً مؤقتاً، فإنها تحمل في جوهرها اعترافاً ضمنياً بضعف السلطة الرسمية وتراجع قدرتها على احتكار الأمن.
وتكشف شهادات بعض أفراد العصابات عن مفارقة مؤلمة: فهم يقرّون بأن ما يجري لا يحقق مكاسب حقيقية، لكنه أصبح واقعاً يومياً يصعب الخروج منه. وبين مطالب بالمساعدة واتهامات متبادلة، تتجسد أزمة أعمق من مجرد انتشار السلاح؛ أزمة انهيار الثقة بين الدولة والمجتمع.

