«قناصات روج آفا».. مقاتلات هزمن داعش يواجهن معركة البقاء في سوريا

في مشهد يتكرر يومياً على تلال الحسكة، تقف شابات يحملن بنادقهن أمام غروب الشمس، حيث تختلط ذكريات المعارك ضد تنظيم داعش بمخاوف مستقبل مجهول.

هذه الصورة التي تبدو وكأنها لوحة فنية تخفي، بحسب صحيفة التايمز، خلفها تاريخ طويل من المعارك ضد تنظيم داعش، وحاضر سياسي مثقل بالقلق، ومستقبل غامض لقوة نسائية أصبحت أحد أكثر رموز الحرب السورية إثارة للانتباه. 

  • قوات سوريا الديمقراطية.. من التأسيس إلى الحل
  • مظلوم عبدي يعلن حل «سوريا الديمقراطية» والاندماج بالمؤسسات الرسمية

فبنادق مقاتلات وحدات حماية المرأة، التي كانت يومًا في قلب المعارك ضد التنظيم المتطرف، أصبحت نادرًا ما تُستخدم، بينما تجد هذه القوة نفسها أمام احتمال فقدان الدور الذي قاتلت من أجله. 

فبعد عام من المفاوضات المتعثرة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الجديدة في دمشق، انتهى المطاف باتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني، لكن المستقبل بقي غامضاً بالنسبة للعنصر النسائي في هذه القوات. 

«قناصات روج آفا».. مقاتلات هزمن داعش يواجهن معركة البقاء في سوريا - صورة 1

ففي الوقت الذي سيواصل فيه المقاتلون الذكور خدمتهم العسكرية، رفضت وزارة الدفاع السورية بشكل قاطع فكرة انضمام النساء إلى صفوف الجيش القتالية.

تعكس هذه الأزمة صراعاً أيديولوجياً عميقاً بين مشروع روج آفا، الذي جعل المساواة بين الجنسين في صميم إدارته، ورؤية الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، التي تصفها الباحثة ألكسندر ماكيفر بأنها “حكومة إسلامية محافظة لا تؤمن بدور للمرأة في الجيش”.

ويؤكد مصطفى عبدي، العضو البارز في الفريق الرئاسي لتنفيذ اتفاقية التكامل، أن وزارة الدفاع أبلغت وحدات حماية المرأة بأنه “لا يوجد عنصر قتالي نسائي داخل الجيش السوري”، مكتفية بعرض أدوار إدارية وحاسوبية رفضتها المقاتلات رفضاً قاطعاً.

حياة كاملة من أجل القضية

في ثكنات الحسكة الخرسانية، تعيش مقاتلات وحدات حماية المرأة حياة تختلف جذرياً عن أي نموذج عسكري تقليدي. فالكثير منهن ينتمين إلى ما يعرف داخل الوحدات بـ«الكوادر»، وهن نساء التزمن حياتهن كاملة بالقضية، بعيدًا عن نظام العقود والإجازات التقليدية، مقابل مخصصات يومية محدودة. بالنسبة إليهن، أصبحت العسكرية جزءًا من هوية أوسع تقوم على الاستقلال والالتزام السياسي وفكرة الدفاع عن المجتمع.

تقول سيا جودي، الشابة البالغة من العمر 22 عاماً والتي فقدت منزلها في دير الزور بسبب تنظيم داعش عام 2014: “أردت أن أبني حياتي بنفسي، بدلاً من أن يختارها لي غيري”. هذه الروح القتالية دفعت الفتيات، بعضهنّ في الرابعة عشرة من العمر، لحمل السلاح والانخراط في معارك تحرير المدن من براثن التنظيم المتطرف.

قناصات بأعصاب أكثر هدوءاً

ورغم كل التحديات، تواصل وحدات حماية المرأة مفاوضاتها مع الحكومة، حيث تدرس إمكانية “دمج وحدات حماية المرأة كقوة مستقلة ومنظمة في وزارة الداخلية” لمكافحة الإرهاب. لكن روكسان محمد، المتحدثة باسم الوحدات، تعبّر عن استيائها من تهميش دورها في المفاوضات، مؤكدة عدم تلقي أي عروض رسمية باستثناء الانضمام كغير مقاتلات.

«قناصات روج آفا».. مقاتلات هزمن داعش يواجهن معركة البقاء في سوريا - صورة 2

ورغم الغموض الذي يلف مستقبل وحدات حماية المرأة كقوة عسكرية، تبقى المقاتلات متمسكات بإرثهنّ الأيديولوجي. تقول جودي: “إنهم لا يريدوننا أن نكون موجودين لأننا نمثل طريقة بديلة لبناء المجتمع”. وتضيف محمد: “لسنا بحاجة إلى من يحمينا، فقد تعلمنا كيف نحمي أنفسنا”.

في خضم هذه التحولات السياسية، تبقى وحدات حماية المرأة شاهداً على تجربة فريدة في المنطقة، حيث حوّلت النساء السلاح إلى أداة للتحرر وبناء الذات. ورغم رفض الحكومة السورية منحهنّ دوراً قتالياً رسمياً، فإن هؤلاء المقاتلات يرفضن فكرة الاستسلام، مؤكدات أن فلسفتهنّ في الحياة ستستمر حتى لو اندثرت وحداتهنّ. 

كما تقول برهات متفائلة: “مهما حدث، ستدوم صداقتنا”. ويبقى السؤال الأهم: هل ستجد هذه التجربة مكاناً لها في سوريا الجديدة، أم ستتحول إلى ذكرى من الماضي؟