متلازمة هافانا.. إصابات غامضة وقرائن جديدة تعيد فتح الملف
بعد نحو عقد من إصابة دبلوماسيين وضباط استخبارات أمريكيين بأعراض صحية غامضة، يعود ملف “متلازمة هافانا” إلى الواجهة، وسط قرائن جديدة تجدد الشكوك بشأن تعرض بعضهم لهجمات بسلاح غير معروف.
وبين روايات المصابين وتقييمات الاستخبارات المتضاربة، لم يتضح بعد ما الذي حدث، ولا من يقف وراءه.
وبحسب تقرير لصحيفة “الغارديان”، اكتسبت المتلازمة اسمها بعدما ظهرت حالات بين موظفي السفارة الأمريكية في العاصمة الكوبية عام 2016. ثم توالت بلاغات من دول أخرى عن آلام مفاجئة في الرأس، ودوار، وطنين بالأذن، واضطرابات في الذاكرة والتركيز، استمرت أحياناً سنوات وأجبرت بعض المصابين على مغادرة وظائفهم.
ومن بين هؤلاء ضابط بارز في الاستخبارات المركزية استيقظ بفندق في لندن عام 2019 على ألم شديد وتعرق وفقدان للتوازن.
وفي اليوم التالي، عجز عن تذكر أسماء زملائه. وبعد أشهر، تكررت التجربة في وارسو بألم وصفه بأنه يشبه ضربات متتالية بمضرب بيسبول على الرأس.
سلاح خفي أم أسباب أخرى
وأثارت روايات مشابهة اعتقاداً لدى ضباط بأنهم استُهدفوا بسلاح يطلق طاقة صوتية أو موجات ميكروويف نبضية. وعزز الشكوك أن بعض المصابين عملوا في ملفات تتقاطع مع المصالح الروسية.
لكن هذه الصلات لم تتحول إلى دليل حاسم على مسؤولية موسكو، وظلت التفسيرات العلمية والاستخباراتية متباينة.

فقد رأى علماء، أن الأعراض قد ترتبط بعوامل بيئية أو مواد سامة أو ضغوط نفسية، وشكك آخرون في إمكان تصنيع سلاح محمول بسببها.
وفي المقابل، أكد مختصون أن فحوص بعض المرضى أظهرت مؤشرات موضوعية يصعب اختلاقها، وأن البداية المفاجئة للأعراض تستدعي البحث عن مؤثر خارجي.
تقييمات متضاربة
في عام 2022، خلصت لجنة علمية شكلتها الحكومة الأمريكية إلى أن الأعراض حقيقية، وأن مؤثرات خارجية قد تفسر بعضها.
وقال رئيسها، ديفيد ريلمان، إن التعرض لموجات ميكروويف نبضية يمثل التفسير الأكثر ترجيحاً لمجموعة محددة من الحالات، مع إقراره بإمكان تفسير معظم البلاغات بأسباب أخرى.
لكن تقييماً استخباراتياً عام 2023 اعتبر تورط خصم أجنبي “غير مرجح للغاية”. ولاحقاً، عدلت إحدى الوكالات موقفها، بينما تمسكت خمس وكالات باستبعاد هذا الاحتمال.
وتجدد الخلاف بعدما سحبت تولسي غابارد التقييمات السابقة قبيل مغادرتها منصب مديرة الاستخبارات الوطنية، متهمة معديها باستبعاد أدلة انتقائياً وسوء توصيف المصادر، دون نشر أدلة جديدة أو تقديم تقييم بديل.
ويضيف كتاب للصحفيين مايكل راي وأوريانا زيل دي غرانادوس اتهامات بالتستر داخل مؤسسات أمريكية.

ويعرض قرائن على ارتباط بعض الوقائع بعناصر روسية، بينها مزاعم رصد هواتف قرب مواقع الإصابات وتقاطعات في بيانات السفر. غير أن مدير الاستخبارات المركزية السابق وليام بيرنز نفى التستر، مؤكداً أن التحقيق كان صارماً.
جهاز يعيد طرح الاحتمالات
أما التطور الأبرز، فهو حصول الحكومة الأمريكية، وفق مصادر تحدثت للصحيفة، على جهاز محمول أواخر 2024 عبر عملية شراء سرية من بائع على الإنترنت المظلم.
وتفيد روايات بأنه يطلق موجات ميكروويف نبضية، وأن اختبارات على الحيوانات أظهرت احتمال إحداثه أعراضاً مشابهة. ولم يثبت استخدام الجهاز في أي واقعة سابقة.
وقد تعزز هذه النتائج إمكان وجود سلاح قادر على إحداث بعض الإصابات، لكنها لا تحسم مصدره أو هوية مستخدميه. كما تفتح احتمال تعدد المسؤولين إذا كانت هذه التقنية متاحة خارج الأجهزة الحكومية.
وبالنسبة للمصابين، يتجاوز الانتظار معرفة السبب إلى الحصول على اعتراف رسمي بمعاناتهم. فبعضهم يرى أن تشكيك مؤسساته في إصاباته وعرقلة الوصول إلى العلاج خلفا شعوراً بالخذلان، لا يقل وطأة عن الأعراض التي غيرت حياته وأبعدته عن العمل لسنوات طويلة.


