كان جيسون هيردل يرتب مرآب منزله في بلدة واترلو بولاية نيويورك استعداداً لتعليق زينة عيد الهالوين، عندما أزاح لوحاً خشبياً مثبتاً على الحائط، ليكتشف مساحة ضيقة مخفية لم يكن يعلم بوجودها.
مساحة عثر في داخلها على صندوق كرتوني مغطى بالغبار، بدا للوهلة الأولى وكأنه مجرد مخلفات قديمة. لكن نسمة هواء قلبت غلاف أحد الملفات، فكشفت عن كلمة «سري» مكتوبة بأحرف حمراء، لتغير مسار عملية التنظيف بالكامل، حسب صحيفة واشنطن بوست.
- الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.. ترامب يكشف حجم ضربة إيران الملغاة
كان هيردل، الذي يعمل ميكانيكياً في المنطقة التعليمية المحلية، بعيداً عن عالم الوثائق الحكومية السرية، لكنه سرعان ما أدرك أهمية ما عثر عليه.

فقد ضم الملف نحو 300 صفحة، يعود تاريخها إلى ثمانين عاماً، كتب معظمها أسرى حرب أمريكيون بخط اليد، يروون فيها ظروف احتجازهم لدى الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، من الجوع والبرد وانعدام الرعاية الطبية إلى الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية. وكانت الوثائق تتضمن شهادات أكثر من 120 جندياً، في سجل تاريخي كاد ينتهي في حاوية قمامة.
اكتشاف يقود إلى الأرشيف الوطني
في يوليو/تموز، أعلنت إدارة الأرشيف والوثائق الوطنية الأمريكية استعادة الوثائق عبر «برنامج استعادة الأرشيف»، الذي يتتبع السجلات الفيدرالية المفقودة أو المسروقة.
كما استعادت الإدارة سجلات ترتبط بقضايا أخرى مثل بعثات «أبولو»، ووثيقة عفو رئاسي موقعة من فرانكلين بيرس، وكشفاً لنتائج تصويت في الكونغرس يعود إلى عام 1812، ورسالة من جيه. إي. بي. ستيوارت إلى وزير الحرب جيفرسون ديفيس عام 1854، قبل أن يصبح الرجلان من أبرز شخصيات الكونفدرالية.
ولم تكن السجلات التي عثر عليها هيردل مدرجة في الأصل ضمن قائمة الوثائق المفقودة لدى الأرشيف الوطني. وبعد أن عرضها على أمينة متحف محلي وباحثة تاريخية، تواصلت الأخيرة مع الإدارة، التي أرسلت مسؤولين إلى منزل هيردل في يناير/كانون الثاني.

ونقلت الوثائق لاحقاً إلى مقر الأرشيف في كوليدج بارك بولاية ماريلاند، حيث حُفظت في ظروف خاصة مع الإبقاء على ترتيبها الأصلي. وتخطط الإدارة لرقمنتها وإتاحتها للباحثين والجمهور.
من «لاكي سترايك» إلى شهادات الأسر
تكشف الوثائق جانباً من الآلية التي اتبعتها القوات الأمريكية مع الأسرى المحررين في نهاية الحرب. فقد مر آلاف الجنود عبر معسكر «لاكي سترايك» في نورماندي، أحد «معسكرات السجائر» التي أقيمت لاستقبال الجنود وإعادة تنظيمهم، قبل إخضاعهم لمقابلات واستخلاص معلومات عن تجارب الأسر.
وكانت شهاداتهم جزءاً من عملية استخباراتية واسعة، واستخدمت لاحقاً في التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بجرائم الحرب.
وتظهر إحدى الوثائق مذكرة سرية من خمس صفحات كتبها عقيد في القوات الجوية للجيش الأمريكي، وثقت ظروف احتجاز قال الجنود إنها خالفت اتفاقيات جنيف لعام 1929. كما تضمنت النماذج أسئلة مباشرة عن جرائم وفظائع ارتكبت بحق الأسرى والمدنيين.
تروي الصفحات شهادات قاسية عن الجوع والمرض والاكتظاظ. وكتب جوليان جي. كانديلاريا، من نيو مكسيكو، عن احتجاز عشرات الرجال داخل عربات شحن مغلقة، بلا طعام أو ماء أو مرافق صحية، فيما تعرضوا للقصف وساروا أياماً في ظروف تفتقر إلى الرعاية الطبية.

وقال جنود آخرون إنهم شاهدوا عمليات قتل وضرب لأسرى، كما وصفوا معسكرات موبوءة بالجرذان والقمل والحشرات، ونقلهم في عربات مكتظة أثناء الغارات الجوية. وكتب إميليو م. ميمبريلا، من أريزونا، أن ظروفهم الصحية كانت سيئة، والطعام شحيحاً، وأماكن الإقامة «غير صالحة للبشر».
ثمانية عقود من الصمت
لم تكن أهمية الوثائق مرتبطة بالتاريخ العسكري وحده، بل بما كشفته لعائلات جنود حملوا تجارب الأسر معهم إلى قبورهم من دون أن يتحدثوا عنها. ومن بين هؤلاء هنري دالي، الذي وقع في الأسر خلال «معركة الثغرة» وأُجبر على العمل في ألمانيا. ولم تعرف عائلته تفاصيل تجربته إلا بعد اطلاعها على ما كتبه بخط يده.

وقال حفيد حفيده مايكل يانيس إن الحرب غيرت دالي إلى الأبد، وإنه عاد إلى الوطن عاجزاً عن الاستقرار في منزله، بينما ظل كثير من أفراد العائلة يجهلون ما مر به. وقال يانيس: «إن رؤية هذه الكلمات مكتوبة أمر يثقل كاهل المرء؛ فكل هذا جديد علينا».
أما هيردل، الذي أعاد الوثائق إلى الجهات المختصة، فيرى أن قيمتها تتجاوز ما يمكن أن تقدمه كتب التاريخ. وقال: «هذه أمور لا تتعلمها في كتب التاريخ. أن ترى هذا وتقرأه بنفسك… فهذا أمر مميز للغاية بالنسبة لي». وأضاف أنه أدرك منذ اللحظة الأولى أنه «لا بد أن يجد مكاناً لحفظ هذه المواد».

