من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟

من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟

اقتصاد

من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟

في خضم الحرب الباردة بأواخر القرن الماضي، لم تقتصر مهام المخابرات في ألمانيا الشرقية على جمع الأسرار العسكرية.

فقد أدارت وزارة أمن الدولة، المعروفة باسم «شتازي» (شرطة سرية وجهاز استخبارات)، شبكة واسعة لجمع المعلومات عن التكنولوجيا والصناعات في ألمانيا الغربية، في محاولة لتعويض الفجوة المتزايدة بين اقتصادَي البلدين.

فبعيدا عن الوثائق العسكرية والخطط السرية؛ كلفت المخابرات بالتوصل إلى تصميم هندسي، أو مواصفات جهاز، أو طريقة تصنيع، أو نتائج أبحاث أنفقت الشركات الغربية سنوات ومبالغ ضخمة للوصول إليها.

وبعد سقوط جدار برلين، كشفت أرشيفات «شتازي» عن حجم هذه العملية، وأتاحت للباحثين فرصة نادرة لطرح سؤال غير معتاد: إلى أي مدى يمكن للتجسس الصناعي أن يتحول إلى مكسب اقتصادي؟

من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟ - صورة 1

التجسس للنمو 

الإجابة، وفق دراسات اعتمدت على هذه الملفات، كانت أكثر تعقيدًا مما قد يبدو. فالمعلومات التي حصلت عليها المخابرات من الغرب ساعدت بعض الصناعات في ألمانيا الشرقية على الوصول إلى تقنيات متقدمة بسرعة أكبر، وساهمت في تقليص جزء من فجوة الإنتاجية مع ألمانيا الغربية.

من أجهزة الكمبيوتر والرقائق الإلكترونية إلى تقنيات التصنيع، جمعت أجهزة الاستخبارات في ألمانيا الشرقية معلومات من الشركات والمؤسسات الغربية، ثم نقلتها إلى المهندسين والمصانع لاستخدامها في تطوير المنتجات وعمليات الإنتاج.

من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟ - صورة 2

القصة من بدايتها 

لعقود، عمل جهاز «شتازي» على جمع المعرفة العلمية والتقنية التي تحتاجها الشركات الألمانية الشرقية، في محاولة لسد فجوة تكنولوجية فرضها انقسام أوروبا خلال الحرب الباردة. 

والآن، بعد أكثر من ثلاثة عقود على سقوط جدار برلين، تحاول دراسة اقتصادية قياس ما الذي جناه الاقتصاد من تلك الأسرار.

فقد خلصت دراسة أجرتها مؤسسة روكوول برلين واطلعت عليها رويترز، الأحد، إلى أن نشاط التجسس الاقتصادي المكثف الذي مارسته ألمانيا الشرقية خلال الحرب الباردة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أدى إلى زيادة ناتجها الاقتصادي الإجمالي 7.4% في نهاية الثمانينيات.

كما ارتفعت القيمة المضافة الصناعية بنسبة 22.3% بفضل هذه الأنشطة.

لكن الرقم الأكثر إثارة ربما لا يتعلق بحجم الاقتصاد، وإنما بقيمة المعلومة نفسها. فقد قدر الباحثون أن كل معلومة إضافية ذات قيمة حصلت عليها الشركات حققت عائدًا سنويًا يقارب 330 ألف يورو بأسعار عام 2020.

من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟ - صورة 3

من ملفات المخابرات إلى خطوط الإنتاج

لم يكن الهدف من التجسس جمع الأسرار لمجرد امتلاكها. كانت القيمة الحقيقية تبدأ عندما تصل المعلومة إلى المصنع.

وبحسب الدراسة، سجلت الشركات التي حصلت على معلومات استخباراتية مفيدة نموًا أسرع في الإنتاجية، وزادت استثماراتها، وركزت بدرجة أكبر على منتجاتها الأساسية.

وهنا تظهر وظيفة مختلفة لـ«شتازي»: لم يكن مجرد جهاز أمني يراقب المجتمع، بل أصبح بالنسبة إلى قطاعات من الاقتصاد قناة للحصول على المعرفة التي يصعب تطويرها محليًا أو الوصول إليها عبر التجارة.

فبدل أن تبدأ الشركة من الصفر في تطوير تقنية أو تحسين منتج، كان بإمكانها الحصول على جزء من المعرفة التي راكمتها شركات ومؤسسات بحثية في الغرب، ثم تحويلها إلى إنتاج واستثمار.

من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟ - صورة 4

المعلومة لم تتوقف عند الشركة

الأثر الاقتصادي لم يبقَ محصورًا في الشركات التي حصلت مباشرة على المعلومات.

وجد الباحثون أن المكاسب انتقلت أيضًا عبر شبكات الموردين والعملاء، وهو ما وسع التأثير إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد. فعندما تتحسن إنتاجية شركة صناعية، يمكن أن ينعكس ذلك على الشركات التي تزودها بالمكونات أو تعتمد على منتجاتها.

وبهذه الطريقة، تحولت بعض المعلومات الاستخباراتية إلى مكاسب اقتصادية تتجاوز الجهة التي حصلت عليها في البداية.

وتقدر الدراسة أن القيمة المضافة الصناعية ارتفعت بنسبة 22.3% نتيجة أنشطة التجسس، بما يعادل 20.2 مليار مارك من عملة ألمانيا الشرقية، أو نحو 4.1 مليار يورو بأسعار عام 2020.

من ملفات المخابرات الألمانية.. كيف أسهم «التجسس» في النمو الاقتصادي؟ - صورة 5

حدود النجاح 

لكن التكنولوجيا المسروقة لم تصنع معجزة

هنا تتوقف القصة عن كونها نجاحًا اقتصاديًا بسيطًا.

فبحسب الباحثين، ساعد التجسس ألمانيا الشرقية على تعزيز مكانتها داخل الكتلة الاشتراكية، لكنه لم يحسن بدرجة كبيرة قدرتها على النجاح في الأسواق الغربية.

وهذه النقطة تكشف حدود المعرفة التي يمكن الحصول عليها بالتجسس.

فامتلاك تصميم أو معلومة تقنية لا يعني امتلاك البيئة التي أنتجتها. المنافسة في الأسواق العالمية تحتاج إلى شركات قادرة على الابتكار باستمرار، ورأس مال، ومؤسسات بحثية، وإدارة، وأسواق مفتوحة، وقدرة على تطوير المنتج مرة أخرى عندما يتغير الطلب.

التجسس يستطيع اختصار جزء من الطريق، لكنه لا يلغي الحاجة إلى السير فيه.

لماذا كانت ألمانيا الشرقية تحتاج إلى الغرب؟

كانت المشكلة الأساسية أعمق من نقص بعض التقنيات.

فألمانيا الشرقية كانت تعمل داخل اقتصاد مغلق نسبيًا، وفي مواجهة منافسة صناعية متقدمة في ألمانيا الغربية وغيرها من الاقتصادات الغربية. وكلما تسارعت وتيرة التطور التكنولوجي، أصبح اللحاق بالركب أكثر صعوبة.

لهذا اكتسبت المعلومات الصناعية قيمة استثنائية. فالمعلومة التي توفر سنوات من البحث والتجربة يمكن أن تتحول إلى ميزة إنتاجية فورية تقريبًا.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لم يكن التجسس الاقتصادي نشاطًا هامشيًا بالنسبة إلى الدولة، بل أداة ضمن محاولتها الحفاظ على القدرة الصناعية والمنافسة داخل الكتلة الشرقية.

من الحرب الباردة إلى صراع التكنولوجيا

قد تبدو القصة بعيدة عن الاقتصاد العالمي اليوم، لكن أحد معدي الدراسة، أدريان ليرشه، يرى أن نتائجها تحمل صلة واضحة بالحاضر، في وقت تشدد فيه الحكومات ضوابط تصدير التقنيات الحساسة، وتدقق بصورة أكبر في الاستثمارات الأجنبية، وتحاول حماية القطاعات التكنولوجية الاستراتيجية.

وهذا يعيد النقاش القديم في صورة جديدة.

فخلال الحرب الباردة، كان الوصول إلى التكنولوجيا الغربية جزءًا من صراع بين نظامين اقتصاديين وسياسيين. واليوم، أصبحت أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة والطاقة وغيرها من المجالات موضع تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى.

الاختلاف أن الأدوات أصبحت أكثر تنوعًا: قيود تصدير، وضوابط استثمار، وحماية للملكية الفكرية، إلى جانب مخاطر التجسس الصناعي.