هل تخفي نسبة نجاح الأطباء الأجانب في فرنسا أزمة وظائف؟

هل تخفي نسبة نجاح الأطباء الأجانب في فرنسا أزمة وظائف؟

يسعي مكتب وزيرة الصحة الفرنسية لتنفيذ مهمة تواصل حساسة، بعد موجة الغضب التي عبر عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع الأسبوع بشأن وضع الأطباء الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي، الذين يسعون للحصول على ترخيص دائم للعمل في فرنسا.

وقالت محطة “بي إف إم” الفرنسية إن وزارة الصحة الفرنسية يبدو أنها تلعب بالأرقام فبعد أيام من انتقاد ماكرون لمسار هؤلاء الأطباء، الذين يواجهون إجراءات إدارية معقدة قبل تثبيتهم، أطلق مكتب وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست حملة تواصل وصفت بالمحفوفة بالمخاطر.

وقد ركزت الوزارة على ما وصفته بـ”نسبة نجاح تبلغ 74% في المسار الداخلي” لاختبارات التحقق من الكفاءة لعام 2025، وهي اختبارات إلزامية يجب على كل طبيب أجنبي اجتيازها قبل الدخول في برنامج تأهيل مهني قد يستمر حتى عامين، والحصول في النهاية على ترخيص كامل لمزاولة المهنة في فرنسا.

وأوضحت الوزارة أن “1935 طبيبًا تقدموا لهذا المسار، نجح منهم 1425″، مشيراً إلي أن هذه النسبة لا تعكس الصورة الكاملة، إذ لم تُحتسب بناءً على عدد المناصب المتاحة، والتي كانت أعلى بكثير من عدد المتقدمين الفعليين.

فبحسب قرار رسمي صادر في 27 يونيو/حزيران 2025، كان هناك 4000 منصب متاح في المسار الداخلي، ما يعني أن أكثر من 2500 وظيفة بقيت شاغرة. وبالتالي، لا تكمن المشكلة الحقيقية في نسبة النجاح، بل في أن عددًا كبيرًا من المرشحين لم يتمكنوا أصلًا من خوض الاختبارات.

تعقيدات إدارية تؤثر على المشاركة

وعند الاستفسار عن غياب عدد كبير من المرشحين، أقرت وزارة الصحة لاحقًا بأنه عند فتح باب اختبارات 2025، كان هناك 4246 طبيبًا مؤهلًا للمسار الداخلي، وهم ممن تقدموا بطلبات للحصول على تصاريح عمل مؤقتة داخل المؤسسات الصحية الفرنسية.

ويُعد اجتياز هذه الاختبارات في المسار الداخلي مشروطًا بالحصول على تصريح مزاولة مؤقت لمدة 13 شهرًا قابلة للتجديد مرة واحدة (بحد أقصى 26 شهرًا)، وهو ما يزيد من تعقيد الإجراءات.

وأفادت الوزارة أن “505 أطباء حصلوا على تصاريح مؤقتة في 2025 وسجلوا للاختبارات، لكنهم لم يحضروها أو لم ينجحوا فيها”، دون توضيح أعداد الحاصلين على تصاريح في سنوات سابقة ممن لم يشاركوا أيضًا.

من جهتها، أوضحت كاهينا هيريش، الأمينة العامة لنقابة SOS Padhue، أن العديد من الأطباء واجهوا صعوبات إدارية، مشيرة إلى أن الوكالات الصحية الإقليمية كانت مثقلة بالأعباء، ما أدى إلى تأخير إصدار التصاريح المؤقتة في الوقت المناسب.

كما أن فترة التسجيل للاختبارات، التي امتدت بين 30 يونيو/حزيران و24 يوليو/تموز من العام الماضي، كانت قصيرة نسبيًا، خاصة مع إدخال نظام جديد يقسم المسابقة إلى مسارين (داخلي وخارجي)، وهو ما أقره وزير الصحة السابق يانيك نودر.

وفي محاولة لتدارك الوضع، وعدت وزارة الصحة بفتح فترتين للتسجيل في دورة 2026، وفقًا لما أعلنته النقابة عقب اجتماع مع مسؤولي الوزارة.

اختلال في توزيع الفرص

إلى جانب التعقيدات الإدارية، واجه بعض الأطباء مشكلات في التخصصات، حيث لم يُسمح لهم بالتقدم في تخصصاتهم الأصلية.

فعلى سبيل المثال، تعتبر الطب النفسي تخصصًا مستقلاً في فرنسا، وهو ما لا ينطبق بالضرورة على بعض الدول خارج الاتحاد الأوروبي، ما أجبر بعض الأطباء على التقدم في الطب العام بدلًا من تخصصهم.

وفي المحصلة، أدى ذلك إلى خلل واضح: عدد كبير من المتقدمين في المسار الخارجي، مقابل نقص في المسار الداخلي، ونتيجة لذلك بقيت آلاف الوظائف شاغرة.

إقبال كبير على المسار الخارجي مقابل فرص محدودة

وبسبب هذه التعقيدات، لجأ العديد من الأطباء الذين كان من المفترض أن يتقدموا للمسار الداخلي إلى المسار الخارجي.

وأوضحت المحطة الفرنسية أن الحكومة، التي فضلت إعطاء الأولوية للأطباء العاملين بالفعل في المستشفيات الفرنسية، خصصت فقط 400 منصب للمسار الخارجي، أي أقل بعشر مرات من المسار الداخلي.

وبحسب المركز الوطني للإدارة، نجح 438 مرشحًا في المسار الخارجي، وهو رقم يفوق عدد المقاعد المخصصة، لكنه لا يعوّض النقص الكبير في المسار الداخلي، حيث بقي 2575 منصبًا شاغرًا.

وطالبت نقابة الأطباء الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي، بإعداد قائمة احتياطية لسد هذه الوظائف، لكنها لم تتلقَّ أي التزام رسمي من الوزارة حتى الآن.

ومن المقرر أن تعقد الوزارة اجتماعات مع ممثلي النقابات في الفترة المقبلة لمناقشة تحسين تنظيم الدورة القادمة من الاختبارات.

ويذكر أن وزير الصحة السابق يانيك نودر كان قد تعهّد بتحويل هذه المسابقة إلى اختبار تأهيلي، إلا أن تنفيذ هذا التغيير يتطلب تشريعًا برلمانيًا، وهو أمر يبدو معقدًا في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027.