مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة

في ذروة الحرب الباردة، لم تكن السرية في الاتحاد السوفياتي تقتصر على المختبرات العسكرية أو الوثائق الاستخباراتية، بل امتدت لتشمل مدناً.

هذه «المدن المغلقة» لم تكن مجرد تجمعات سكنية عادية، بل مراكز استراتيجية احتضنت برامج الأسلحة النووية، ومشاريع الفضاء، وصناعة الغواصات، والأبحاث العسكرية الحساسة.

وكان الوصول إليها يتطلب تصاريح خاصة، بينما خضعت لتحصينات أمنية مشددة وأسلاك شائكة وحراسة عسكرية دائمة.

  • هكذا أنقذ سائق سوفياتي حياة رئيس أمريكي

ورغم انهيار الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من ثلاثة عقود، فإن كثيراً من هذه المدن لا يزال محاطاً بالغموض، وبعضها لا يزال مغلقاً حتى اليوم، بعدما تحولت إلى رموز لحقبة كانت فيها السرية جزءاً من بنية الدولة السوفياتية نفسها، بحسب موقع “ذا كولكتور”.

أرزاماس-16.. مهد القنبلة النووية السوفياتية

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 1

مثلت أرزاماس-16، المعروفة حالياً باسم «ساروف»، القلب النابض للبرنامج النووي السوفياتي، ونظير مدينة «لوس ألاموس» الأمريكية.

تأسست المدينة عام 1946 في مقاطعة نيجني نوفغورود، ولعبت دوراً محورياً في تطوير أول قنبلة نووية سوفياتية، التي نجح الاتحاد السوفياتي في اختبارها عام 1949.

عاشت المدينة في عزلة كاملة عن العالم الخارجي، إذ أُزيل اسمها من الخرائط وأحيطت بأسلاك شائكة ونقاط تفتيش عسكرية صارمة.

ورغم الطابع الأمني المشدد، تمتع العلماء والمهندسون الذين عملوا داخلها بمستويات معيشية مرتفعة مقارنة ببقية المدن السوفياتية، حيث توفرت لهم مساكن حديثة ورواتب مرتفعة وخدمات ثقافية وترفيهية متقدمة.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أعاد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين تسميتها إلى «ساروف» عام 1995، لكنها بقيت حتى اليوم مدينة مغلقة تخضع لإشراف مؤسسة «روساتوم» النووية الروسية.

كراسنويارسك-26.. مصنع البلوتونيوم السري

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 2

في أعماق غابات سيبيريا النائية، أُنشئت مدينة كراسنويارسك-26، المعروفة اليوم باسم «جيليزنوغورسك»، عام 1950 لتكون مركزاً لإنتاج البلوتونيوم المستخدم في صناعة الأسلحة النووية.

بُنيت منشآت المدينة تحت الأرض لتفادي المراقبة الجوية والهجمات المحتملة، وتمركزت حول مجمع التعدين والكيمياء الذي ضم مفاعلات نووية ومحطات لإعادة المعالجة.

وعلى مدى عقود، لعبت المدينة دوراً رئيسياً في تغذية سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة.

ورغم القيود الأمنية الصارمة، عاش سكان المدينة في ظروف أفضل نسبياً من معظم المواطنين السوفيات، حيث كانت المتاجر مملوءة بالسلع والخدمات النادرة في بقية أنحاء البلاد.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تحولت المدينة إلى مركز لمعالجة وتخزين النفايات النووية، لكنها بقيت مغلقة أمام غير المصرح لهم.

مولوتوفسك.. عاصمة الغواصات النووية

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 3

كانت مولوتوفسك، التي تُعرف حالياً باسم «سيفيرودفينسك»، أحد أهم المراكز البحرية في الاتحاد السوفياتي.

تأسست المدينة عام 1938، وتحولت سريعاً إلى قاعدة استراتيجية لبناء وصيانة الغواصات النووية السوفياتية.

واحتضن حوض بناء السفن فيها أكبر منشأة من نوعها في الاتحاد السوفياتي، حيث تم تصنيع معظم الغواصات النووية التي شكلت العمود الفقري للأسطول البحري السوفياتي خلال الحرب الباردة.

وبسبب الحساسية العسكرية للمدينة، فُرضت عليها إجراءات أمنية مشددة ومنع دخول الغرباء إليها.

ولا تزال المدينة حتى اليوم تلعب دوراً محورياً في برنامج الغواصات النووية الروسي، ما يجعلها منطقة شبه مغلقة أمام الأجانب والزوار غير المصرح لهم.

تشيليابينسك-40.. المدينة التي شهدت كارثة نووية

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 4

ارتبط اسم تشيليابينسك-40، المعروفة حالياً باسم «أوزيورسك»، بإنتاج البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية، إلى جانب قربها من منشأة «ماياك» النووية الشهيرة.

تأسست المدينة عام 1945 وأسهمت بشكل مباشر في تطوير أول سلاح نووي سوفياتي.

لكن شهرتها العالمية جاءت نتيجة كارثة «كيشتيم» النووية عام 1957، التي تُعد واحدة من أسوأ الحوادث النووية في التاريخ.

وقع الانفجار داخل منطقة لتخزين النفايات النووية بسبب خلل في نظام التبريد، ما أدى إلى تصاعد سحابة ضخمة من المواد المشعة وانتشار التلوث الإشعاعي على آلاف الكيلومترات المربعة.

وحاولت السلطات السوفياتية التغطية على الكارثة عبر تحويل المناطق الملوثة إلى «محمية طبيعية»، فيما عانى السكان والعمال من آثار التلوث الإشعاعي لسنوات طويلة، بعدما انتقلت المواد المشعة عبر الملابس والمعدات إلى الأحياء السكنية.

نوريلسك.. المدينة الصناعية الأكثر تلوثاً

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 5

على عكس المدن النووية المغلقة، ارتبطت نوريلسك بالثروة المعدنية الهائلة التي جعلت منها إحدى أهم المدن الصناعية في الاتحاد السوفياتي.

أُنشئت المدينة في الأصل كمعسكر عمل قسري خلال حقبة ستالين، ثم تحولت لاحقاً إلى مركز ضخم لاستخراج المعادن.

ورغم أن سكانها تمتعوا بمستوى معيشة جيد نسبياً، فإن عقوداً من التعدين المكثف جعلت نوريلسك واحدة من أكثر المدن تلوثاً في العالم.

وبسبب أهميتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي في أقصى شمال سيبيريا، بقيت المدينة معزولة إلى حد كبير حتى بعد انتهاء الحقبة السوفياتية.

ولا تزال السلطات الروسية تفرض قيوداً صارمة على دخول الأجانب إلى نوريلسك حتى اليوم.

مدينة النجوم.. قلب برنامج الفضاء السوفياتي

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 6

في ستينيات القرن الماضي، أنشأ الاتحاد السوفياتي «زفيزدني غورودوك» أو «مدينة النجوم» قرب موسكو، لتكون مركز تدريب وإقامة رواد الفضاء والمهندسين المشاركين في برنامج الفضاء السوفياتي.

واكتسبت المدينة شهرتها العالمية بعدما تدرب فيها رائد الفضاء يوري غاغارين قبل رحلته التاريخية إلى الفضاء، التي جعلته أول إنسان يغادر الغلاف الجوي للأرض.

وخلال الحرب الباردة، ظل موقع المدينة سرياً ومحاطاً بإجراءات أمنية مشددة.

أما اليوم، فقد تحولت المدينة إلى مركز دولي لتدريب رواد الفضاء، واستقبلت فرقاً من وكالة «ناسا» استعداداً للرحلات المشتركة إلى محطة الفضاء الدولية عبر مركبات «سويوز» الروسية.

بريبيات.. المدينة التي قتلها الإشعاع

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 7

تُعد بريبيات واحدة من أكثر المدن السوفياتية شهرة ومأساوية في آن واحد. تأسست المدينة عام 1970 لإسكان العاملين في محطة تشيرنوبيل النووية، ووصل عدد سكانها إلى نحو 50 ألف نسمة قبل الكارثة النووية الشهيرة في 26 أبريل/ نيسان 1986.

في ذلك اليوم، انفجر المفاعل الرابع بمحطة تشيرنوبيل أثناء اختبار لأنظمة الأمان، مطلقاً كميات هائلة من المواد المشعة في الغلاف الجوي، في كارثة قُدرت قوتها الإشعاعية بما يعادل نحو مئة قنبلة من قنبلة هيروشيما.

وسرعان ما تحولت بريبيات إلى مدينة أشباح بعد إخلائها بالكامل وفرض منطقة حظر واسعة حول المحطة النووية.

واليوم، أصبحت المدينة موقعاً سياحياً غير رسمي ومحمية طبيعية مؤقتة، فيما تقف مبانيها المهجورة شاهداً على واحدة من أسوأ الكوارث النووية في التاريخ.

تشيليابينسك-70.. مختبر القنبلة الهيدروجينية

مدن محظورة.. أسرار الاتحاد السوفياتي خلف الأسلاك الشائكة - صورة 8

كانت تشيليابينسك-70، المعروفة حالياً باسم «ترويتسك»، جزءاً أساسياً من سباق التسلح النووي السوفياتي منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي. واحتضنت المدينة برامج متقدمة لتطوير الأسلحة النووية، بما في ذلك القنبلة الهيدروجينية.

جذبت المدينة نخبة من العلماء والمهندسين الذين عملوا في سرية مطلقة داخل منشآت شديدة التحصين، مقابل توفير مستوى معيشي مرتفع ومساكن حديثة ومدارس ومرافق ترفيهية متطورة.

ورغم تغير اسمها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لا تزال المدينة تحتفظ بطابعها المغلق وتواصل أداء دور مهم في مجالات البحث والتطوير النووي داخل روسيا الحديثة.