في خطوة نادرة تخترق حظراً دستورياً عمره عقود، خرج الأمير أكيشينو عن صمته التقليدي ليفتح ملفاً شائكاً يمس مستقبل أقدم سلالة ملكية في العالم.
وفي مشهد سياسي استثنائي، خرق ولي العهد الياباني الأمير أكيشينو، شقيق الإمبراطور ناروهيتو، القاعدة الذهبية التي تفرض على أفراد العائلة الإمبراطورية التزام الصمت التام تجاه الشؤون السياسية، مطلقاً تصريحات حملت في طياتها إشارات دقيقة حول موقفه الشخصي من قضية الخلافة التي تهز أركان النظام الملكي في اليابان، وفقا لصحيفة التايمز.
- «ياماتو».. سفينة غارقة تتحول لأيقونة تعكس صراع اليابان مع ماضيها
وجاءت هذه التصريحات في توقيت حساس، بالتزامن مع إقرار حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، المحافظة، تعديلات قانونية جديدة تعزز الوضع الراهن وتغلق الباب أمام أي احتمال لترشيح امرأة للعرش، في خطوة تعيد إلى الواجهة نقاشاً عمره أكثر من قرن حول مكانة المرأة في أقدم سلالة ملكية مستمرة في العالم.
تصريحات دبلوماسية تحمل رسائل مضاعفة
أثارت تصريحات ولي العهد البالغ من العمر 60 عاماً، التي أدلى بها خلال لقاء صحفي، ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية والشعبية، حين ألمح إلى أن امتلاك آراء شخصية حول قضايا الخلافة هو أمر طبيعي لأي إنسان، معترفاً بتعقيد العلاقة بين أفكاره الداخلية والنصوص القانونية الملزمة.
ورغم حرصه على عدم الإدلاء بموقف صريح واضح، إلا أن تعليقه حول دور المرأة في أداء الواجبات الإمبراطورية كان أكثر وضوحاً، حيث أكد أنه “لا فرق بين الرجال والنساء في أداء هذه الواجبات”، في إشارة غير مباشرة إلى تأييده لتوسيع دائرة المشاركة النسائية في المهام الملكية، وهو ما يتعارض بشكل جوهري مع روح التعديلات الجديدة.

وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي دقيق، حيث تسعى حكومة تاكايتشي من خلال تعديل قانون الأسرة الإمبراطورية إلى تعزيز النظام الأبوي الصارم الذي يعود إلى عصر إصلاح ميجي في أواخر القرن التاسع عشر، والذي استبعد النساء تماماً من خط الخلافة.
هذا الإقصاء ظل قائماً حتى بعد إقرار الدستور الأمريكي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم يطرأ أي تغيير على هذا الجانب من النظام الملكي رغم التحولات الديمقراطية الواسعة التي شهدتها البلاد.
تكشف الأرقام عن عمق الأزمة التي تعصف بالنظام الإمبراطوري الياباني نتيجة لنقص عدد الذكور المؤهلين لوراثة العرش، في ظل القواعد التي تقصر الخلافة على الرجال المنحدرين من السلالة الإمبراطورية عبر الخط الأبوي.
فيبلغ الإمبراطور ناروهيتو 66 عاماً، لكنه لا يملك ابناً ذكراً، ما يجعل شقيقه الأصغر، الأمير فوميهيتو، البالغ 60 عاماً، ولي العهد والمرشح الأول لخلافته.
ويأتي بعد فوميهيتو في ترتيب الخلافة ابنه الوحيد، الأمير هيساهيتو، البالغ 19 عاماً، والذي يمثل حالياً أصغر أفراد العائلة الإمبراطورية من الذكور المؤهلين للعرش. وبعده يأتي الأمير ماساهيتو، عم الإمبراطور، البالغ 90 عاماً، ما يسلط الضوء على الفجوة العمرية الكبيرة وتراجع عدد الورثة الذكور القادرين على ضمان استمرارية السلالة.
وكانت اليابان قد واجهت أزمة مماثلة قبل ولادة هيساهيتو عام 2006، عندما أثار غياب وريث ذكر نقاشاً واسعاً حول تعديل قواعد الخلافة للسماح للنساء باعتلاء العرش، ولا سيما الأميرة أيكو، الابنة الوحيدة لناروهيتو، التي تتمتع بشعبية واسعة. إلا أن ولادة هيساهيتو خففت الضغوط السياسية آنذاك وأبقت النظام الحالي دون تغيير جوهري.

غير أن التعديلات القانونية الجديدة لا تقتصر على تجميد الوضع القائم، بل تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال تسهيل إجراءات تبني أقارب بعيدين للعائلة المالكة، بهدف ضمان استمرار سلالة وراثية ذكورية بحتة، حيث يشترط أن يكون جميع المعنيين، بما في ذلك أفراد السلالة الملكية المتبنين، من الذكور، في حل يرى فيه المنتقدون محاولة للالتفاف على المطالب الشعبية المتزايدة بإصلاح شامل يمنح المرأة حقها في العرش.
في مقابل الجمود المؤسسي، تواصل الأصوات الشعبية والمطالب الداخلية تصاعدها، حيث يرى العديد من اليابانيين أن استمرار تهميش دور المرأة في نظام الخلافة يتناقض مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، خاصة مع بروز شخصية الأميرة أيكو كرمز شعبي قادر على تجسيد صورة حديثة للعائلة الإمبراطورية.
ويثير موقف ولي العهد، الذي دخل في صراع غير معلن مع توجهات الحكومة، تساؤلات حول مدى قدرة النظام الملكي على احتواء الضغوط الداخلية والخارجية، خصوصاً في ظل الإرث التاريخي الذي شهد وجود إمبراطورات في فترات سابقة من التاريخ الياباني، وهو ما يجعله النموذج الأكثر قابلية للتطبيق في نظر العديد من المحللين.

