تواجه الأسر المصرية موجة جديدة من ارتفاع أسعار اللبن والجبن، مع اتجاه شركات الصناعات الغذائية إلى تعديل قوائم أسعارها، متأثرة بزيادة تكلفة الخامات والأعلاف وتحركات الدولار أمام الجنيه، رغم التعافي الأخير للعملة المصرية.
بدأت موجة جديدة من زيادات أسعار منتجات الألبان والجبن في مصر خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بعدما أعلنت شركات غذائية تعديلات على أسعار عدد من منتجاتها، في وقت تواجه فيه الصناعة ضغوطًا ناتجة عن ارتفاع تكلفة اللبن الخام ومدخلات الإنتاج المستوردة.
وتأتي هذه الزيادات امتدادًا لتحركات بدأت خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع صعود الدولار أمام الجنيه، وارتفاع أسعار الأعلاف واللبن البودرة وبعض الزيوت المستخدمة في صناعة الجبن، ما دفع الشركات إلى إعادة حساب تكاليفها.
وتظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع أسعار مجموعة الألبان والجبن والبيض بنسبة 2.5% خلال أكتوبر/تشرين الأول مقارنة بسبتمبر/أيلول 2026، وهو ما يعكس انتقال جانب من ضغوط الإنتاج إلى المستهلكين.
- أحدث وظائف وزارة العمل 2026 في مصر.. 1576 فرصة برواتب تناهز 30 ألف جنيه
زيادات جديدة في أسعار اللبن والجبن بمصر
كشفت قوائم الأسعار الجديدة عن اتجاه شركة عبور لاند إلى زيادة أسعار عدد من منتجات الجبن اعتبارًا من السبت 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، للمرة الثانية خلال أسبوعين، بعد زيادات سابقة جرى تطبيقها في 24 أكتوبر/تشرين الأول.
وتراوحت الزيادة الجديدة بين جنيه و4 جنيهات للعبوة، بحسب الوزن والنوع، ليصل الحد الأقصى لسعر بيع عبوة الجبن وزن كيلوغرام إلى 116 جنيهًا، وعبوة 500 غرام إلى 59 جنيهًا، وعبوة 250 غرامًا إلى 32 جنيهًا.
كما رفعت شركة دومتي أسعار عدد من منتجاتها اعتبارًا من مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، إذ زاد سعر كرتونة «دومتي بلس فيتا» وزن كيلوغرام للعبوة (12 عبوة) من 1110 جنيهات إلى 1190 جنيهًا، بارتفاع 80 جنيهًا للكرتونة.
وامتدت الزيادات إلى اللبن، بعدما قررت شركة جهينة رفع سعر كيلو لبن «بخيره» من 42.5 جنيه إلى 44 جنيهًا، بزيادة 1.5 جنيه، اعتبارًا من 8 نوفمبر/تشرين الثاني.
الدولار في مصر.. من قفزة أكتوبر إلى تراجع نوفمبر
شكلت تحركات الدولار أمام الجنيه المصري أحد أبرز العوامل التي أثرت في تكلفة إنتاج الألبان والجبن خلال الفترة الماضية، بعدما شهدت سوق الصرف صعودًا سريعًا للعملة الأمريكية خلال أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن تستعيد العملة المصرية جزءًا من خسائرها في بداية نوفمبر/تشرين الثاني.
ففي نهاية سبتمبر/أيلول 2026، سجل سعر بيع الدولار لدى البنك المركزي المصري نحو 52.19 جنيه، قبل أن يرتفع إلى 56.12 جنيه بنهاية تعاملات 29 أكتوبر/تشرين الأول، بزيادة 3.93 جنيه، تعادل نحو 7.5%.
لكن الاتجاه انعكس خلال الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، إذ تراجع الدولار إلى نحو 54.01 جنيه للبيع في بيانات متوسط أسعار الصرف لدى البنك المركزي بنهاية تعاملات الخميس 5 نوفمبر/تشرين الثاني، منخفضًا بنحو 2.11 جنيه مقارنة بمستواه في 29 أكتوبر/تشرين الأول.
ورغم هذا التراجع، لا تزال تكلفة الدولار أعلى من مستواها في نهاية سبتمبر/أيلول، ما يفسر استمرار الضغوط على الشركات التي تعتمد على استيراد اللبن البودرة والأعلاف والزيوت ومواد التعبئة والتغليف.
ويعني ذلك أن انخفاض الدولار خلال أيام لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع فوري في أسعار المنتجات، خاصة أن بعض الشركات اشترت خاماتها أو تعاقدت عليها عندما كان الدولار عند مستويات أعلى، بينما تحدد تكلفة المخزون الجديد ومواعيد السداد سرعة انتقال تغيرات سعر الصرف إلى أسعار البيع.
هاني جنينة: تجديد المخزونات يزيد الضغوط على الدولار
في تفسيره للضغوط التي تعرض لها الجنيه، أوضح الخبير الاقتصادي المصري هاني جنينة، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، أن ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية يرتبط جزئيًا بعودة الشركات إلى الاستيراد لتجديد مخزوناتها من المواد الخام والسلع.
وأشار إلى أن عددًا كبيرًا من الشركات كان يمتلك مخزونات تكفي لفترات تتراوح بين 3 و9 أشهر، بمتوسط 6 أشهر، قبل أن يؤدي استهلاك جزء كبير منها خلال الفترة من مارس/آذار إلى سبتمبر/أيلول إلى زيادة احتياجاتها من الدولار.
وتكتسب هذه التقديرات أهمية خاصة بالنسبة إلى صناعة الألبان، التي تعتمد بعض أنشطتها على خامات مستوردة، ما يجعل تكلفة تجديد المخزون مرتبطة بسعر الصرف وقت الاستيراد، وليس فقط بالسعر الذي كانت الشركات تبيع به منتجاتها سابقًا.
وفي السياق نفسه، حذر الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، من انتقال ضغوط الدولار والطاقة إلى تكلفة السلع والخدمات داخل السوق المصرية.
وأوضح أن ارتفاع سعر الصرف يزيد تكلفة استيراد السلع النهائية ومدخلات الإنتاج، وقد يدفع بعض الشركات إلى إعادة تسعير منتجاتها، مع اختلاف حجم التأثير وتوقيته بحسب المخزون وتكاليف الإنتاج ونسبة المكونات المستوردة.
لماذا تتحمل صناعة الجبن ضغوطًا أكبر؟
لا تتوقف الضغوط على ارتفاع سعر الدولار، بل تشمل أيضًا التكلفة العالمية للخامات الأساسية المستخدمة في صناعة الألبان والجبن.
وكشف محمد الدماطي، نائب رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية، عن ارتفاع سعر طن اللبن البودرة من نحو 2600 دولار إلى مستويات تتراوح بين 4000 و4200 دولار، بالتزامن مع زيادات في أسعار البروتين ومواد التعبئة والتغليف.
وأوضح الدماطي أن ارتفاع تكلفة الخامات وسعر الدولار يضاعف الأعباء على المصانع، ويجعل استمرار بيع بعض المنتجات بالأسعار القديمة أمرًا صعبًا.
أوضح إيهاب شرابية، نائب رئيس شعبة الألبان بغرفة الإسكندرية التجارية، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، أن صناعة الجبن نباتي الدهن تعتمد على خامات من بينها «الشورتنج»، وهي دهون نباتية تتأثر بأسعار الاستيراد وتحركات الدولار.
وتعني هذه المعطيات أن بعض منتجات الجبن تواجه ضغوطًا مزدوجة، ناتجة عن تغير تكلفة المكونات المستوردة من ناحية، وارتفاع نفقات التصنيع والتعبئة والنقل من ناحية أخرى.
الأعلاف ترفع تكلفة اللبن الخام
تمثل الأعلاف عاملًا أساسيًا في تحديد تكلفة إنتاج اللبن المحلي، إذ تتأثر مزارع الأبقار الحلابة بتحركات أسعار الذرة الصفراء وفول الصويا ومستلزمات التربية.
وأكد عادل غباشي، رئيس شعبة الألبان بالإسكندرية، أن صعود الدولار أدى إلى زيادة تكلفة اللبن البودرة المستورد، ما دفع بعض الشركات الكبرى إلى الاعتماد بدرجة أكبر على اللبن المحلي، وبالتالي زيادة الطلب عليه.
وأوضح أن المصانع الصغيرة تتأثر بدورها بارتفاع أسعار اللبن الخام، بالتزامن مع زيادة أسعار الأعلاف والردة، مشيرًا إلى أن بعض أسعار الجبن شهدت ارتفاعات بلغت نحو 15%.
وفي السياق نفسه، أشار محمد عثمان، استشاري إدارة مزارع الأبقار الحلابة والإنتاج الحيواني، إلى ارتفاع أسعار الذرة الصفراء بنحو 6% وفول الصويا بنسبة 4% خلال الفترة الأخيرة، بما ينعكس على معادلة تسعير اللبن الخام.
- مصر تعيد ترتيب أولويات الإنفاق.. استجابة مرنة في خضم التحديات
لماذا ترتفع الأسعار في مصر رغم انخفاضها عالميًا؟
تكشف أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» عن مفارقة لافتة بين حركة أسعار الألبان عالميًا والتطورات المحلية.
فقد انخفض مؤشر أسعار منتجات الألبان عالميًا بنسبة 1.1% خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 مقارنة بسبتمبر/أيلول، مدفوعًا بتراجع أسعار الزبدة والأجبان، بينما واصلت أسعار اللبن البودرة ارتفاعها.
ويعكس هذا التباين اختلاف حركة أسعار المنتجات والخامات، فهبوط المؤشر العالمي لا يعني بالضرورة انخفاض جميع المواد المستخدمة في التصنيع.
كما أن وصول أثر الانخفاضات العالمية إلى السوق المحلية يتوقف على توقيت التعاقدات وسعر الدولار وتكلفة الشحن، فضلًا عن قدرة الشركات على استهلاك مخزوناتها الحالية قبل شراء خامات جديدة.
هل تتراجع أسعار اللبن والجبن خلال الفترة المقبلة؟
يتوقف اتجاه أسعار منتجات الألبان والجبن خلال الفترة المقبلة على مجموعة من المتغيرات، في مقدمتها استمرار تعافي الجنيه أمام الدولار، واستقرار أسعار الأعلاف والخامات المستوردة، وتطورات إنتاج اللبن المحلي.
وقد يساعد انخفاض الدولار على تخفيف تكلفة الاستيراد مستقبلًا، لكنه لا يضمن تراجع الأسعار بالوتيرة نفسها، خاصة إذا استمرت أسعار اللبن البودرة والأعلاف عند مستويات مرتفعة.
وفي المقابل، قد تدفع المنافسة بين الشركات وتراجع القوة الشرائية للمستهلكين المنتجين إلى استيعاب جزء من تكاليف الإنتاج بدلًا من تمريرها بالكامل إلى السوق.




