يدور جدل في السوق المصرية حول تباطؤ مبيعات العقارات وارتفاع الأسعار، بينما ترسل البورصة إشارة مختلفة تمامًا عبر مليارات الجنيهات التي لا تزال تتدفق على أسهم المطورين.
تصدر قطاع العقارات قائمة قطاعات البورصة المصرية من حيث قيمة التداول خلال الربع الثالث من 2026، بعدما بلغت التعاملات عليه نحو 147.26 مليار جنيه، تعادل قرابة 2.8 مليار دولار وفق متوسط سعر الصرف الرسمي، من خلال تداول 48.54 مليار سهم وتنفيذ نحو 2.9 مليون عملية خلال الفترة من يوليو/تموز إلى سبتمبر/أيلول.
وتعتمد أرقام التداول في البورصة المصرية على عمليات البيع والشراء للأسهم ما يعني أن قيمة 147 مليار جنيه تمثل قيمة عمليات الشراء والبيع على أسهم قطاع العقارات، وليس دخول استثمارات جديدة بهذه القيمة إلى الشركات العقارية.
وفي الربع الثاني من 2026، سجل القطاع العقاري تداولات بلغت نحو 142.8 مليار جنيه، واستحوذ آنذاك على 25.6% من قيمة التعاملات بالسوق الرئيسية دون الصفقات، وبذلك زادت تداولات الربع الثالث بنحو 4.46 مليار جنيه، أو ما يقارب 3.1%، مقارنة بالربع السابق، في إشارة إلى أن تدفق السيولة على الأسهم العقارية أصبح اتجاهًا ممتدًا.
- مصر ثالث أكبر مستورد لخردة المعادن الأوروبية.. قرار جديد أمام الصناعة
لماذا يشتري المستثمر سهم عقارات بدلًا من شقة؟
جزء من الإجابة يرتبط بالفارق الكبير بين الاستثمار العقاري المباشر وامتلاك سهم في شركة تطوير، فشراء وحدة عقارية يحتاج إلى رأسمال كبير، كما أن تحويلها مرة أخرى إلى أموال قد يستغرق أسابيع أو أشهر، بينما يتيح السهم للمستثمر التعرض لنمو أسعار الأراضي والمشروعات العقارية بمبالغ أقل، مع إمكانية البيع والتخارج بصورة أسرع.
وقال الخبير الاقتصادي معتز الجريتلي، في تصريح لـ”العين الإخبارية”، إن من أسباب جذب الأسهم العقارية للسيولة أنها تمنح المستثمر طريقة أكثر مرونة للاستفادة من نمو السوق العقارية دون الحاجة إلى دفع تكلفة شراء عقار فعلي، إلى جانب سهولة التسييل مقارنة بالاستثمار المباشر في الوحدات.
ويضيف عامل آخر إلى جاذبية القطاع، هو أن المستثمر لا يشتري فقط أرباح العام الحالي، وإنما يشتري بصورة غير مباشرة محافظ الأراضي والمبيعات المستقبلية والمشروعات تحت التنفيذ.
ويرى العضو المنتدب لشركة ألفا للاستثمارات المالية، محمد حسن، أن تقييم شركات العقارات لا يعتمد على نتائج الأعمال فقط، وإنما يمتد إلى حجم محفظة الأراضي وخطط التوسع وقدرتها على توليد تدفقات نقدية مستقبلية.
مضاربة أم رهان حقيقي على الشركات؟
جزء من السيولة يتحرك بطبيعته بحثًا عن الأسهم النشطة والفجوات السعرية، لكن أرقام عدد من كبار المطورين تظهر أن الاهتمام لا يقوم على المضاربة وحدها، وقال الخبير الاقتصادي أحمد عبدالفتاح إن تصدر العقارات خريطة السيولة لا يعني أن جميع أسهم القطاع تتحرك بالقوة نفسها، موضحًا أن المستثمرين أصبحوا أكثر تركيزًا على الشركات صاحبة الأداء التشغيلي القوي والأصول الكبيرة.
وتظهر مجموعة طلعت مصطفى نموذجًا واضحًا لذلك، بعدما سجلت مبيعات تعاقدية بلغت 219.1 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2026، مقابل 211 مليارًا قبل عام، فيما بلغت الإيرادات نحو 30.2 مليار جنيه وصافي الربح بعد الضريبة نحو 9.9 مليار جنيه، بزيادة سنوية بلغت 23% في الأرباح.
وفي بالم هيلز، ارتفعت الإيرادات المجمعة خلال النصف الأول من العام بنحو 25.4% إلى 19.53 مليار جنيه، بينما وصل رصيد المبيعات المتعاقد عليها التي لم تتحول بعد إلى إيرادات إلى مستوى قياسي بلغ 284 مليار جنيه. وفي المقابل، انخفض صافي الربح على أساس سنوي، وهو ما يوضح لماذا لا يمكن الحكم على سهم عقاري من رقم المبيعات وحده.
أما سوديك، فسجلت مبيعات تعاقدية بقيمة 23.5 مليار جنيه خلال النصف الأول، بزيادة 201% على أساس سنوي، كما ارتفع صافي المتحصلات النقدية إلى 10.2 مليار جنيه وبلغ عدد الوحدات المسلمة 557 وحدة.
- نهاية «الأحد أونلاين».. مصر توقف العمل من المنازل بعد 6 أشهر
المستثمرون بدأوا ينظرون خلف رقم المبيعات
تظهر المفارقة الأساسية في السوق المصرية، في قيم المبيعات، فقيمة مبيعات أكبر 10 مطورين ارتفعت إلى نحو 670 مليار جنيه في النصف الأول من 2026، لكن عدد الوحدات المبيعة انخفض إلى نحو 39 ألف وحدة، ما يعني أن ارتفاع أسعار العقارات لعب دورًا مهمًا في رفع قيمة المبيعات، ولا يعكس الرقم بالضرورة نموًا مماثلًا في عدد المشترين.
ولهذا بدأ المحللون يركزون بصورة أكبر على مؤشرات مثل التحصيلات النقدية، ونسب الإلغاء، والتسليمات، والتدفقات النقدية والمديونية، بدل الاكتفاء بإعلانات المبيعات التعاقدية.
ويقول مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث بشركة أسطول القابضة، لـ”العين الإخبارية” إن المبيعات التعاقدية وحدها لا تكفي للحكم على قوة الشركة، لأن توقيع عقد وسداد مقدم لا يعني بالضرورة قدرة المشتري على استكمال الأقساط، معتبرًا أن التسليمات والتحصيلات والتدفقات النقدية تعطي صورة أكثر دقة.
وتتفق معه سلمى عاطف، نائب رئيس قسم البحوث بشركة النعيم للوساطة في الأوراق المالية، التي ترى أن معدلات الإلغاء والتحصيل يجب أن تقرأ إلى جانب المبيعات، لأن ارتفاع المبيعات لا يعني تلقائيًا توافر السيولة اللازمة لإكمال الإنشاءات والتسليم.
من أكبر المستفيدين؟
حتى الآن، تبدو الشركات صاحبة محافظ الأراضي الكبيرة والسيولة المرتفعة والمشروعات المتنوعة جغرافيًا ومصادر الإيرادات المتعددة أكثر قدرة على جذب اهتمام المستثمرين، وتتكرر أسماء مثل طلعت مصطفى وبالم هيلز وسوديك ومصر الجديدة للإسكان عند حديث محللي السوق عن الأسهم العقارية النشطة، لكن الفارق بين الشركات أصبح أكثر أهمية من حركة القطاع ككل.
ويشير عمرو البدري، رئيس قسم التحليل الفني بشركة هوريزون لتداول الأوراق المالية، إلى أن الشركات التي تمتلك أراضي كبيرة أو مشروعات خارج مصر يمكن أن تكون أكثر قدرة على امتصاص أي تباطؤ محلي، بسبب تنوع مصادر إيراداتها وتدفقات العملة الأجنبية.





