تقف مصر أمام نافذة نادرة لإعادة رسم موقعها على خريطة صناعة السيارات الأفريقية، بعد نمو قوي في نشاط تصنيع المركبات، ودخول استثمارات جديدة في التجميع والمكونات.
لكن الطريق إلى منافسة المغرب وجنوب أفريقيا لا يزال طويلًا ويعتمد على سؤال أكبر من عدد السيارات المنتجة: كم جزءًا من السيارة سيُصنع فعلًا داخل مصر؟
نمو النشاط
مؤخرا، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر عن نمو نشاط “صناعة المركبات ذات المحركات” بنحو 50% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، بالتزامن مع مساع حكومية لتحويل مصر من سوق كبيرة للتجميع والاستهلاك إلى قاعدة للتصنيع والتصدير نحو أفريقيا.
الزيادة البالغة 50% تعبر عن معدل نمو نشاط صناعة المركبات خلال ذلك الربع، وليست زيادة بنسبة 50% في عدد السيارات المنتجة خلال الأشهر الأخيرة، ومع ذلك، تؤكد بيانات الإنتاج السنوية أن القطاع حقق بالفعل قفزة كمية كبيرة.
فوفق أحدث بيانات منظمة مصنعي السيارات العالمية “OICA”، أنتجت مصر نحو 89.57 ألف مركبة خلال 2025، ارتفاعًا من 55.3 ألف مركبة في 2024، أي بنمو يقارب 62% خلال عام واحد.
والسؤال الذي يطرح نفسه حاليًا: هل تمثل هذه القفزة بداية تحول مصر إلى أحد مصانع السيارات الكبرى في أفريقيا، أم أنها لا تزال مجرد انطلاقة من قاعدة إنتاج منخفضة؟
- نهاية «الأحد أونلاين».. مصر توقف العمل من المنازل بعد 6 أشهر
من 89 ألفًا إلى 500 ألف سيارة
تستهدف الاستراتيجية الاقتصادية المصرية الوصول إلى إنتاج يصل إلى 500 ألف سيارة سنويًا بحلول 2030، مع تصدير نحو ربع الإنتاج، وتحقيق عائد سنوي قدره 4 مليارات دولار من استراتيجية تصنيع السيارات.
هذا يعني أن مصر تحتاج، انطلاقًا من مستوى إنتاج 2025، إلى مضاعفة إنتاجها بأكثر من خمس مرات للوصول إلى المستهدف.
ولا تراهن الحكومة على زيادة عدد خطوط التجميع فقط، بل تقول إن الاستراتيجية الجديدة تستهدف الانتقال من التجميع إلى صناعة متكاملة تشمل المكونات وهياكل السيارات ونقل التكنولوجيا وإنشاء سلاسل توريد محلية.
وتظهر بالفعل توسعات على الأرض فمجموعة “جي بي أوتو”، على سبيل المثال، تمتلك وفق بيانات وزارة الصناعة طاقة إنتاجية سنوية تقارب 110 آلاف مركبة، مع استثمارات تتجاوز 10 مليارات جنيه وخطط لإضافة مصنع جديد في مدينة السادات.
كما توقع الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات،خالد سعد الإعلان عن تحركات لنحو 3 إلى 4 مصانع جديدة باتجاه التصنيع المحلي حتى الربع الأول من 2027، وسط اهتمام متزايد من الشركات الصينية باستخدام مصر كقاعدة للإنتاج للأسواق المحلية والأفريقية والشرق أوسطية.
وأكد لـ “العين الإخبارية” أنه رغم أهمية الوصول إلى مئات الآلاف من السيارات، فإن خبراء الصناعة يضعون معيارًا آخر لقياس النجاح: نسبة المكون المحلي فإذا كانت السيارة تُجمع في مصر بينما المحرك وناقل الحركة والإلكترونيات وأغلب الأجزاء الرئيسية مستوردة، فإن أثر الصناعة على الميزان التجاري والقيمة المضافة وفرص العمل يظل أقل كثيرًا من صناعة تمتلك شبكة موردين محلية.
وقال خالد سعد إن نسبة المكون المحلي تدور حاليًا حول 30% في بعض حسابات الصناعة، متحدثًا عن مستهدف لرفعها إلى نحو 65% خلال عامين مع دعم الصناعات المغذية والموردين المحليين.
وفي تصريحات سابقة شدد سعد على أن الاستثمارات الصينية الجديدة لن تحقق كامل فائدتها لمصر إذا اقتصرت على تجميع السيارات، معتبرًا أن تصنيع المكونات محليًا هو مفتاح تعظيم القيمة المضافة وتقليل الاعتماد على الواردات.
ولهذا بدأت الحكومة تركز بصورة أكبر على الموردين وليس فقط على شركات السيارات نفسها.
وفي أغسطس/آب الماضي ناقشت وزارة الصناعة خطة لتصنيع هياكل السيارات بالكامل محليًا، والتوسع في إنتاج الأجزاء المعدنية والصاج والقوالب، وإنشاء منظومة تربط مصانع التجميع بشبكة موردين تستطيع الالتزام بمواصفات الشركات العالمية.
“العربي” تدخل السيارات من بوابة المكونات
ربما يكون الاتفاق الذي وقع في العلمين أحد الأمثلة الأكثر دلالة على الاتجاه الجديد، فقد وقعت مجموعة العربي المصرية اتفاقية مع شركة Malben Engineering الجنوب أفريقية لإنشاء منصة صناعية مشتركة لتصنيع مكونات السيارات في مصر، تستهدف السوق المحلية والتصدير إلى الخارج.
وتكتسب الخطوة أهمية لأن “العربي” ليست شركة تجميع سيارات تقليدية، وإنما مجموعة صناعية تمتلك قاعدة تصنيع وموردين وخبرات في تعميق المكون المحلي، وهو النموذج الذي تحتاج إليه صناعة السيارات إذا أرادت الانتقال من تجميع المركبة إلى تصنيع أجزاء أكبر منها.
ويأتي الاتفاق ضمن توجه أوسع لربط مصر بسلاسل القيمة الأفريقية مستفيدة من منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، بحيث يمكن تصنيع أجزاء في دولة وتجميع السيارة في أخرى ثم تداول المنتج النهائي بين أسواق القارة.
ويقدر مسؤولون مصريون أن الطلب الأفريقي على السيارات قد يصل إلى ما بين 3.5 و5 ملايين مركبة بحلول 2035، مقابل إنتاج أفريقي حالي يدور حول 1.2 مليون مركبة سنويًا، ما يكشف فجوة ضخمة يمكن للمصانع الجديدة المنافسة عليها.
لكن المغرب سبق بخطوات كبيرة
عند مقارنة خطة مصر الطموحة بالمغرب تظهر المسافة التي ما زالت القاهرة بحاجة إلى قطعها.
أنتج المغرب نحو 501.97 ألف مركبة خلال 2025، وفق OICA، مقابل 89.57 ألف سيارة في مصر؛ أي أن الإنتاج المغربي يعادل نحو 5.6 مرة الإنتاج المصري، لكن الفارق الأكبر ليس في عدد السيارات فقط.
وزير الصناعة والتجارة المغربي قال إن بلاده وصلت إلى نسبة اندماج محلي تبلغ نحو 69%، مع طاقة إنتاجية تبلغ مليون مركبة سنويًا، وطموح للوصول إلى مليوني مركبة بحلول 2030.
كما أصبح المغرب جزءًا من شبكات إنتاج عالمية لشركات مثل رينو وستيلانتس، وأنتجت مجموعة رينو وحدها أكثر من 394 ألف سيارة في المغرب خلال 2025، ما جعل المملكة ثاني أكبر منصة إنتاج للمجموعة عالميًا من حيث الحجم.
في الوقت نفسه، توسع مصنع ستيلانتس في القنيطرة، مع خطة لرفع طاقته الإجمالية إلى 535 ألف مركبة ومركبة صغيرة سنويًا، واستهداف رفع مشتريات المجموعة من الموردين الموجودين في المغرب إلى أكثر من 6 مليارات يورو بحلول 2030، مع وصول معدل الاندماج المحلي المستهدف إلى 75%.
جنوب أفريقيا تنتج 618 ألف سيارة
جنوب أفريقيا هي المنافس الثاني في قطاع السيارات بالقارة، حيث أنتجت 618.08 ألف مركبة خلال 2025، بزيادة 2.9% عن العام السابق، وهو ما يعادل قرابة سبعة أضعاف الإنتاج المصري.
والأهم أن الصناعة الجنوب أفريقية ليست موجهة للسوق المحلية فقط.
فقد صدرت 414 ألف مركبة خلال 2025 إلى 109 دول، بينما مثلت صادرات السيارات ومكوناتها 15.6% من إجمالي صادرات البلاد.
وتمتلك جنوب أفريقيا سبعة مصنعين عالميين وأكثر من 500 شركة مكونات، بينما تستهدف خطتها الصناعية رفع المكون المحلي من نحو 39% إلى 60% وزيادة الإنتاج إلى نحو 1.4 مليون سيارة سنويًا بحلول 2035.
مصر الثالثة.. لكن الفجوة يمكن رؤيتها بالأرقام
تكشف أرقام OICA لعام 2025 شكل المنافسة
- جنوب أفريقيا: 618 ألف مركبة.
- المغرب: 502 ألف مركبة.
- مصر: 89.6 ألف مركبة.


وبلغ إجمالي إنتاج القارة نحو 1.23 مليون مركبة خلال العام، ما يعني أن الدول الثلاث وحدها تستحوذ على الغالبية الساحقة من صناعة السيارات الأفريقية، لكن بالنسبة لمصر، فإن الفارق بين المركز الثالث والمركزين الأول والثاني ما زال ضخمًا، ما يعني أن السباق بدأ يتحرك من جديد بعد سنوات ظل فيها الإنتاج المصري أقل كثيرًا من قدرات السوق وحجم السكان والموقع الجغرافي.
- مصر ثالث أكبر مستورد لخردة المعادن الأوروبية.. قرار جديد أمام الصناعة
أين تمتلك مصر ورقة قوة؟
تملك القاهرة مجموعة من المزايا التي تحاول تحويلها إلى استثمارات فعلية، أولها سوق محلية كبيرة فقد بلغت مبيعات المركبات في مصر نحو 173.8 ألف مركبة خلال 2025، بزيادة تقارب 70% عن 2024، ما يمنح المصنعين قاعدة طلب محلية تساعد على الوصول إلى أحجام إنتاج اقتصادية.
ثانيها الموقع الجغرافي بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، إلى جانب شبكة الاتفاقيات التجارية التي تتيح الوصول إلى أسواق واسعة برسوم مخفضة أو منعدمة.
وثالثها انخفاض تكلفة بعض عناصر الإنتاج وتوافر العمالة، فضلًا عن قناة السويس والموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط.
وتشير التحركات الجارية مع فولكس فاغن وغيرها من الشركات العالمية إلى محاولة تحويل هذه المزايا إلى مصانع فعلية، مع دراسة الشركة الألمانية فرص الإنتاج في مصر والاستفادة من مصانع وخطوط إنتاج موجودة بالفعل.
فما الذي ينقص مصر لتصبح “مصنع أفريقيا”؟
وفقا لخبراء قطاع السيارات تحدثوا لـ “العين الإخبارية ” فإن التحدي الحقيقي هو بناء كتلة صناعية تجعل من الأرخص والأسهل للشركة العالمية أن تنتج السيارة ومكوناتها في مصر ثم تصدرها إلى عشرات الأسواق.
وهذا يتطلب زيادة عدد الموردين المحليين، وتصنيع مكونات أعلى قيمة مثل الأجزاء المعدنية والإلكترونيات والهياكل، وتحسين جودة المنتجات وفق المواصفات العالمية، وتوفير حجم إنتاج يسمح بخفض تكلفة الوحدة، إلى جانب استقرار السياسات والحوافز وسعر الصرف.
ويرى خالد سعد أن المصانع المصرية أصبحت أكثر قدرة على الالتزام بالمواصفات الدولية، بما يسمح لبعض المنتجات المصنعة محليًا بدخول أسواق كانت مغلقة أمامها سابقًا، فيما بدأت بالفعل ثلاثة مصانع محلية تصدير سيارات إلى الخارج.



