لم يعد تهديد الإرهاب في الساحل يخص دوله، بل تتسع موجة الخطر لتشمل دول أوروبية حليفة في “الناتو”، ومصالح اقتصادية واعدة.
ويحتل خطر الإرهاب مكانة بارزة للغاية في منطقة الساحل الأفريقي. ففي عام 2025، تركز 70% من الوفيات الناجمة عن الإرهاب على مستوى العالم في خمسة بلدان، أربعة منها تقع في أفريقيا: بوركينا فاسو، والنيجر، ونيجيريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ووفق ورقة تقييم موقف لـ”جمعية الناتو”، وهي جهة بحثية تابعة لحلف شمال الأطلسي، يشكل الصعود المتزايد لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل تحديًا معقدًا للحلف، لا سيما بسبب هيكل التنظيم اللامركزي والعابر للحدود.
وبالاستفادة من البيئات السياسية الضعيفة، يمكن أن يؤدي تصاعد العنف الذي يمارسه تنظيم «داعش» إلى جعل المشاريع الاقتصادية للحلفاء غير قابلة للتنفيذ في هذه المنطقة الغنية بالمعادن، مع الضغط في الوقت نفسه على الجناح الجنوبي لحلف “الناتو” من خلال الهجرة الجماعية.
وجعلت الدول الأعضاء في الحلف، مثل كندا، تعزيز الأمن في مجال المعادن الحيوية أولوية استراتيجية واضحة، وهو ما يتجلى في إصدار أوتاوا لأول استراتيجية أفريقية لها على الإطلاق في عام 2025.
وفي حين أن الإرهاب في منطقة الساحل قد يبدو، من المنظور الكندي، أمراً هامشياً للوهلة الأولى، فإن طموح أوتاوا في تعزيز وجودها الاقتصادي في أفريقيا يتأثر بتصاعد أنشطة الإرهابيين.
لذلك، وعلى الرغم من بعدها الجغرافي عن الجناح الجنوبي، فإن لكندا مصلحة في وضع استراتيجية منسقة تهدف إلى التصدي لتهديد الإرهاب.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال مشاركات على مستوى الحلف مع الشركاء الأفارقة، على غرار النموذج المطبق في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بالتعاون في المجال الأمني لحماية المصالح الاقتصادية، بحسب الورقة نفسها.
يصبح تعزيز وجود الحلفاء في أفريقيا أمراً غير قابل للتطبيق إذا استمر منطقة الساحل في التحول إلى معقل جديد للإرهاب، على حد قول المصدر ذاته.
مصالح متنامية وتحديات جمة
وتشترك الأطراف الأوروبية في حلف “الناتو”، مثل ألمانيا والمملكة المتحدة، في المصالح الكندية بالقارة، وأصدرت هي الأخرى استراتيجيات خاصة بأفريقيا، ترتكز كل منها على محاور رئيسية تتمثل في التحول العالمي والفرص الاقتصادية.
ورغم أن الاعتراف بهذا المسرح الناشئ قد يكون أمراً رائجاً من الناحية الاستراتيجية، فإن التصاعد الحالي للإرهاب يضع علامة استفهام على أي طموح تجاري.
الاكثر من ذلك، يواجه انتشار تنظيم «داعش» في منطقة الساحل تحديا متمثلا في جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تسعى إلى فرض حكمها الخاص في المنطقة وردع الاستثمار الأجنبي.
وكانت طرق التجارة البرية في مالي والسنغال محورًا لعنف جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في السنوات الأخيرة، بهدف تعطيل تدفق النفط وإحداث شلل اقتصادي.
وفي الوقت نفسه، استهدفت الجماعة، المصالح التجارية الأجنبية من خلال هجمات تخريبية وعمليات اختطاف واسعة النطاق.
وبحسب الورقة، إذا أدركت كندا وحلفاؤها في حلف “الناتو” القيمة الاقتصادية لتعزيز العلاقات مع أفريقيا، فلا بد من معالجة الفراغ الأمني الحالي الذي يغذي الإرهاب.
وبصرف النظر عن الاعتبارات الاقتصادية، فإن انتشار الإرهاب على نطاق واسع في منطقة الساحل يهدد الجناح الجنوبي لحلف “الناتو”، وفق الورقة البحثية.
موجة هجرة جديدة؟
وأدى التنافس بين الفصائل المتطرفة المتحاربة، مقترناً بتزايد الهجمات على المدنيين، إلى تفاقم أزمة النزوح.
وفر ملايين الأشخاص من ديارهم متجهين شمالاً، أولاً إلى شمال أفريقيا، ثم عادةً إلى أوروبا عبر قنوات غير قانونية، مما يضع ضغوطاً على أنظمة الهجرة في الدول الأوروبية بسبب عدم إمكانية التنبؤ بأنماط تدفق اللاجئين.
ويشكل هذا النوع من الهجرة تهديداً مباشراً للأمن القومي وسيادة حلفاء “الناتو” في الجنوب، ولا سيما إسبانيا، التي استقبلت عدداً كبيراً من اللاجئين طالبي اللجوء.
ومن المحتمل أن يؤدي تصاعد الإرهاب غير المكبوح في بلدان الساحل التي تعاني أصلاً من الهشاشة إلى تفاقم هذه الظاهرة، مما يزيد الضغط على الجناح الجنوبي لحلف “الناتو”، ويؤجج في الوقت نفسه صعود المشاعر السياسية اليمينية المتطرفة والمناهضة للهجرة.
ولمواجهة هذه التهديدات، حددت أوتاوا توسيع العلاقات الدبلوماسية مع دول منطقة الساحل كعامل محرك لاستراتيجيتها الأفريقية، حيث عيّنت مبعوثًا خاصًا إلى المنطقة وعززت علاقاتها مع المؤسسات المتعددة الأطراف مثل الاتحاد الأفريقي.
ورغم أن هذه خطوة أولى مهمة، إلا أن هناك الكثير مما ينقص فيما يتعلق بتأمين المنطقة. وهنا يمكن لجهاز الأمن المتكامل التابع لحلف “الناتو” أن يرسخ الطموحات السياسية في إطار استراتيجية لتحقيق الاستقرار.
كيف يتحرك الحلف؟
ووفق الورقة، فإن فكرة أن التهديدات العالمية تمتد عبر مسارح متعددة ولم يعد من الممكن فصلها عن بعضها البعض، تبرز الحاجة إلى أن يمد حلف “الناتو” نفوذه جنوباً.
واتخذ الحلف بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، من خلال التعاون مع دول شمال أفريقيا بشأن القضايا الأمنية عبر «حوار البحر الأبيض المتوسط». وبالتالي، فإن توسيع هذا الوجود إلى أعماق القارة بالتعاون مع الحكومات والمؤسسات القادرة على استعادة الاستقرار في المنطقة يمثل الخطوة التالية الطبيعية، على حد قول المصدر ذاته.
الأكثر من ذلك، من شأن الخبرة العسكرية والقدرات الاستخباراتية لـ”الناتو”، أن تزود هذه الأطراف الفاعلة الإقليمية بالأدوات اللازمة للتصدي للإرهاب، مما يمهد الطريق أمام الاستثمارات الغربية.
وتدرك كندا القيمة الاستراتيجية للشراكات الأفريقية وقد اتخذت خطوات في الاتجاه الصحيح؛ ويجب أن تكون خطوتها التالية هي معالجة الوضع الأمني المتوتر في منطقة الساحل.
ومن خلال الاستفادة من الجهاز الأمني المنسق لحلف “الناتو”، يمكن للحلفاء ترسيخ طموحاتهم الاقتصادية في إطار رؤية أمنية استشرافية، تتطور بالتوازي مع التهديدات المتغيرة التي يواجهونها.
ويتيح إقامة علاقات مع الدول والشركاء الأفارقة، بسط الاستقرار جنوبًا، وحماية مصالح الحلفاء من تصاعد الإرهاب، مع الاستعداد في الوقت نفسه لمسرح المنافسة القادم بين القوى العظمى، وفق الورقة.


