تتزايد الضغوط على ميزانيات الأسر البريطانية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على مسكن مناسب، في ظل تداخل أزمات الغذاء والطاقة والرهن العقاري.
وتواجه الأسر البريطانية خيارات مالية أكثر صعوبة، مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وزيادة تكاليف الرهن العقاري، بالتزامن مع تباطؤ سوق العقارات، ما يفاقم أعباء المعيشة ويحد من القدرة على تحمل تكاليف السكن.
ورغم تراجع التضخم عن مستوياته القياسية المسجلة في 2022، فإن الأثر التراكمي لارتفاع الأسعار لا يزال حاضرًا في حياة البريطانيين، بينما يضيف ارتفاع تكلفة الاقتراض حالة جديدة من عدم اليقين إلى سوق الإسكان، ويؤجل قرارات الشراء لدى بعض الأسر، ويدفع آخرين للبقاء في سوق الإيجارات.
التضخم يتراجع.. لكن تكلفة المعيشة لا تزال مرتفعة
وفقًا لموقع البرلمان البريطاني، ارتفع معدل التضخم السنوي إلى ذروته عند 11.1% في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وهو أعلى مستوى في 41 عامًا، قبل أن يتراجع تدريجيًا ويصل إلى 2% في مايو/أيار 2024، للمرة الأولى منذ يوليو/تموز 2021.
لكن التضخم عاد إلى نطاق يتراوح بين 3% و3.8% خلال الفترة من أبريل/نيسان 2025 إلى مارس/آذار 2026، قبل أن يتراجع تدريجيًا حتى يوليو/تموز، ثم يرتفع إلى 3.1% في أغسطس/آب 2026.
ويشير البرلمان البريطاني، إلى أن الزيادات المتراكمة منذ عام 2021 أبقت تكلفة المعيشة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل موجة التضخم، حتى مع ظهور مؤشرات على انحسار بعض آثارها.
- ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية
وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، أن 55% من البالغين في بريطانيا أفادوا بارتفاع تكلفة معيشتهم خلال أغسطس/آب 2026 مقارنة بالشهر السابق، بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
وانعكست الضغوط على سلوك الإنفاق لدى الأسر، إذ أفاد 59% ممن شملتهم البيانات بأنهم خفضوا الإنفاق على السلع والخدمات غير الأساسية، بينما قلص 38% الإنفاق على الاحتياجات الأساسية، ولجأ 30% إلى استخدام مدخراتهم.
كما أظهرت البيانات، أن 22% من البالغين اضطروا إلى الاقتراض بمبالغ أكبر أو استخدام الائتمان بمعدل يفوق المعتاد مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

الأسر الأقل دخلًا تتحمل العبء الأكبر
تشير بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية، إلى أن الأسر ذات الدخول الأدنى سجلت معدل تضخم أعلى من المتوسط خلال 2023، نتيجة تعرضها بدرجة أكبر لارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، اللذين شهدا زيادات سريعة بين عامي 2021 و2024.
وبحسب بيانات الدخل الأسري، تراجعت الدخول الوسيطة الحقيقية للأسر خلال بعض السنوات التي شهدت ارتفاعًا حادًا في الأسعار، قبل أن تتحسن في السنة المالية 2024/2025، عندما ارتفع الدخل الوسيط بنسبة 4.6% متجاوزًا مستواه المسجل في 2021/2022.
لكن التحسن لم يكن متساويًا، إذ ارتفع دخل الشريحة الأقل دخلًا، التي تمثل أدنى 10% من الأسر، بنسبة 1.7% فقط خلال الفترة نفسها، بما يعكس محدودية التحسن الذي وصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
- بريطانيا تموّل 10 مشروعات للطاقة النظيفة في 8 دول أفريقية

وارتفعت نسبة الأشخاص الذين يعيشون في أسر تعاني انعدام الأمن الغذائي من 7% في السنة المالية 2021/2022 إلى 11% في 2022/2023، وظلت عند المستوى نفسه في 2023/2024، قبل أن تتراجع إلى 9% في 2024/2025.
الرهن العقاري يعيد الضغوط إلى سوق الإسكان
يواجه الراغبون في شراء المنازل تحديًا إضافيًا يتمثل في ارتفاع تكلفة التمويل، حيث تراجعت مؤشرات الاستفسارات عن شراء المنازل والمبيعات المتفق عليها والأسعار خلال سبتمبر/أيلول الماضي، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الرهن العقاري إلى أعلى مستوياتها في نحو ثلاث سنوات، بحسب “فاينانشال تايمز”.
وأظهرت بيانات المسح الشهري للمعهد الملكي للمساحين القانونيين في بريطانيا، أن مؤشر استفسارات المشترين تراجع إلى سالب 22 في سبتمبر/أيلول، مقابل سالب 18 في أغسطس/آب، فيما انخفض مؤشر المبيعات المتفق عليها إلى سالب 18، وتراجع مؤشر أسعار المنازل إلى سالب 32.
وفي مؤشر منفصل، أظهرت بيانات بنك لويدز، أن متوسط سعر المنزل بلغ 298 ألفًا و441 جنيهًا إسترلينيًا في سبتمبر/أيلول، دون تغيير مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، ما يعكس حالة من جمود الأسعار بالتزامن مع ضعف الطلب.

وأرجعت “فاينانشال تايمز”، تباطؤ السوق إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض والضبابية الاقتصادية، اللذين يدفعان المشترين المحتملين إلى التريث قبل اتخاذ قرار الشراء، خصوصًا مع ترقب الموازنة البريطانية وما يسبقها من تكهنات بشأن تغييرات ضريبية محتملة.
وقال توم بيل، رئيس أبحاث العقارات السكنية في شركة “نايت فرانك”، إن ارتفاع تكاليف الرهن العقاري بدأ يضغط على سوق الإسكان، متوقعًا أن يزيد الضغوط النزولية على الأسعار والمعاملات خلال الأشهر الأخيرة من العام.
من جانبه، قال تارانت بارسونز، رئيس أبحاث السوق والتحليل في المعهد الملكي للمساحين القانونيين، إن عودة التوقعات بارتفاع أسعار الفائدة أوجدت عائقًا جديدًا أمام سوق الإسكان، مع تزايد حذر المشترين وفقدان نشاط المبيعات بعض الزخم.
مئات الآلاف أمام أقساط مرتفعة
لا تقتصر آثار ارتفاع معدلات الرهن العقاري على المشترين الجدد، بل تمتد إلى الأسر التي تقترب عقود التمويل العقاري لديها من موعد إعادة التسعير.
ووفقًا لتقديرات بنك إنجلترا في تقرير الاستقرار المالي الصادر في يوليو/تموز 2026، نحو 750 ألف أسرة كانت تسدد فوائد تقل عن 3% ستعيد تمويل قروضها خلال العام، بما قد يرفع أقساطها الشهرية بنحو 170 جنيهًا إسترلينيًا.
وتوقع البنك، أن تواجه أكثر من 5 ملايين أسرة ارتفاعًا في أقساط الرهن العقاري بنهاية 2028، في انعكاس لاستمرار انتقال أثر أسعار الفائدة إلى ميزانيات الأسر.
وذكرت “فاينانشال تايمز”، أن متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري ثابت الفائدة لمدة خمس سنوات، مع تمويل يعادل 75% من قيمة العقار، بلغ 4.98% في نهاية سبتمبر/أيلول، مقارنة بـ4.96% في أبريل/نيسان، ليسجل أعلى مستوى منذ 2023.
وتضيف هذه المستويات عبئًا على المشترين الذين يحتاجون إلى تمويل طويل الأجل، وسط مواجهة نفقات مرتفعة للغذاء والطاقة والنقل، ما يجعل قرار شراء منزل أكثر حساسية لأي تغير في الدخل أو تكلفة الاقتراض.

الإيجارات تستفيد من تراجع الطلب على الشراء
مع تراجع قدرة بعض المشترين على دخول السوق، تتجه الضغوط إلى قطاع الإيجارات. وأشارت نتائج مسح المعهد الملكي للمساحين القانونيين، إلى ارتفاع الطلب على العقارات المؤجرة، مع اتجاه بعض الراغبين في الشراء إلى تأجيل القرار واستئجار مسكن إلى حين اتضاح اتجاه السوق.
وقال جيمس أوتويل، مدير شركة “ألكسندر بروس إستيتس”، إن الإيجارات لا تزال ترتفع، مدفوعة بزيادة الطلب الناتج عن لجوء مشترين محتملين إلى الإيجار لمتابعة تطورات السوق قبل شراء المنازل.
وفي محاولة لدعم المشترين، أعلنت الحكومة إجراء للمساعدة على شراء المنازل تحت اسم “منزلك الأول”، إلا أن ارتفاع معدلات الرهن العقاري وعدم اليقين الاقتصادي يدفعان كثيرين إلى تأجيل قرارات الشراء.
فواتير الطاقة تضيف عبئًا جديدًا
تظل الطاقة أحد أبرز مصادر الضغط على ميزانيات الأسر، إذ إن سقف أسعار فواتير الطاقة في بريطانيا متوقعًا أن يرتفع بنسبة 16% في يناير/كانون الثاني المقبل، ليقترب من ألفي جنيه إسترليني، بالتزامن مع توقعات بزيادة تضخم الغذاء وارتفاع أسعار الوقود.
وتبرز كفاءة استهلاك الطاقة في المنازل باعتبارها أحد المسارات المطروحة لتخفيف الضغوط على المدى الطويل، بدلًا من الاقتصار على التعامل مع ارتفاع الأسعار بعد وقوعه.
ووفقًا لبحث أعدته مؤسسة “E3G” البحثية، فإن عزل المنازل وتوسيع استخدام المضخات الحرارية يمكن أن يحققا مكاسب اقتصادية واجتماعية أكبر من التوسع في التنقيب عن النفط الجديد في بحر الشمال، من خلال خفض فواتير الأسر، وخلق وظائف، وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وتشير تقديرات المؤسسة، إلى أن تنفيذ خطة الحكومة البريطانية للمنازل الدافئة، التي تبلغ ميزانيتها 15 مليار جنيه إسترليني، يمكنه خفض فواتير الطاقة المنزلية بنحو مليار جنيه سنويًا، مع تركّز جانب كبير من المنافع لدى الأسر منخفضة الدخل.
كما قد يضيف 1.6 مليار جنيه سنويًا إلى الاقتصاد ويوفر نحو 50 ألف وظيفة موزعة على آلاف الشركات الصغيرة، حيث تستهدف الخطة عزل ما يصل إلى 5 ملايين منزل.
وتواجه احتمال تقليص بعض مخصصاتها، وفقًا لصحيفة “الجارديان”، وسط مساعي الحكومة للبحث عن وفورات في الإنفاق، ما يضع أحد المسارات المقترحة لخفض فواتير الطاقة أمام تحدي استمرار التمويل اللازم لتنفيذه.
وقال جيمس هيو دايسون، الباحث الأول في “E3G”، إن الحكومة إذا كانت جادة في معالجة أزمة تكلفة المعيشة وتوزيع الاستثمارات على مختلف أنحاء البلاد، فعليها التركيز على عزل المنازل وتوسيع الطاقة النظيفة، بما يساعد على خفض الفواتير وخلق وظائف.


