بين تصريحات تهاجم «الناتو» وتهدد بالانسحاب منه، وبين واقع يظهر رغبة في أن تظل أوروبا تحت مظلتها، تتباين مواقف الإدارة الأمريكية.
وبحسب مجلة “ذا ناشيونال إنترست”، يبدو موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أوروبا متناقضاً بشدة.. فمن جهة، تهاجم الإدارة الأمريكية حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتصفه بأنه “نمر من ورق” لا يمكن الوثوق به، وتهدد بالانسحاب منه، بل وأعلنت قرارها سحب خمسة آلاف جندي من قواعدها في ألمانيا.
ومن جهة أخرى، فإن التصرفات الفعلية للإدارة تظهر رغبتها القوية في أن تبقى أوروبا معتمدة على السلاح والتكنولوجيا الأمريكية، وتستضيف القوات الأمريكية على أراضيها.
وتكشف الفجوة بين الكلام والأفعال، بحسب المجلة، حقيقة أساسية تكمن في أن واشنطن لا ترغب في استقلال استراتيجي أوروبي حقيقي، لأن ذلك سيُنهي نفوذها العميق في القارة.
وإجمالا، فإن غضب ترامب من رفض حلفائه المشاركة في الحرب على إيران ليس له ما يبرره قانونياً.
فالمادة الخامسة من معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالقتال إلا إذا تعرض أحدهم لـ”هجوم مسلح”، وهو ما لم يحدث، وحتى وإن حدث، فالمادة لا تفرض القتال تلقائياً، بل تطلب فقط أن تساعد الأطرافُ الطرفَ المستهدف بالإجراءات التي تراها مناسبة.
وقد سبق للأعضاء أن رفضوا المشاركة في حروب أمريكية سابقة مثل فيتنام والعراق.
أما التهديد بالانسحاب الكامل من الناتو، فهو شبه مستحيل من الناحية القانونية، لأن مجلس الشيوخ صادق على المعاهدة، ولأن الكونغرس أصدر عام 2023 قانوناً يمنع أي رئيس من إنهاء عضوية الحلف دون موافقة المشرعين.
لكن الإدارة تملك وسائل أخرى أقل ضجيجاً لتقويض الحلف وإبقاء أوروبا ضعيفة وتابعة، مثل عرقلة القرارات داخل الناتو، أو سحب مزيد من القوات تدريجياً، أو زعزعة الثقة بين ضفتي الأطلسي.
ومع ذلك، لم تظهر واشنطن أي رغبة جادة في التخلي عن أدوات سيطرتها، فهي لا تزال تحتفظ بأكثر من سبعين ألف جندي في أوروبا، وبالقيادة العليا للحلف، وتشارك يومياً في أنشطته.
بل إن الحرب على إيران تجعل الوجود العسكري الأمريكي في القواعد الأوروبية أكثر أهمية، مما يزيد الاعتماد الأمني الأوروبي على أمريكا.
والضغوط الأمريكية السابقة حققت بعض النتائج، إذ تعهد معظم أعضاء الناتو برفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، وبدأ الأوروبيون يدركون أن اعتمادهم المفرط على واشنطن خطر.
لكن المشكلة أن واشنطن نفسها لا تريد ترك النفوذ الذي يسمح لها بالتحكم في القرار الأوروبي، والرئيس ترامب يشجع شخصياً هذا الاعتماد عندما يصر على أن تشتري أوروبا الأسلحة الأمريكية، رغم حديثه عن حرية القارة في الدفاع عن نفسها، وفق المجلة.
وقد تدفع الأحداث الأخيرة، مثل عدم استشارة الحلفاء قبل الحرب على إيران، ومحاولة إجبارهم على عمليات خطيرة، وتأخير مبيعات السلاح، القادة الأوروبيين إلى الشك في مصداقية واشنطن كحليف.
انقسام أوروبي
لكن أوروبا رغم قوتها الاقتصادية والعسكرية، لا تزال غارقة في الانقسامات الداخلية، والتنافس بين شركات السلاح، والقيود المالية، مما يجعلها عاجزة عن توحيد قرارها.
ونتيجة لذلك، تستمر دول مثل ألمانيا وبريطانيا في دعم العمليات الأمريكية لوجستياً رغم انتقادها العلني للحرب، ويتمسك قادة كثيرون بالانتظار حتى نهاية ولاية ترامب دون إحداث أي تغيير حقيقي.
والوضع الحالي لا يفيد أمريكا على المدى الطويل، فاستمرار تحمل أعباء الدفاع عن أوروبا يمنع واشنطن من تحويل مواردها إلى الأولويات الداخلية، ومنطقتها في نصف الكرة الغربي، والتحديات الأهم في المحيطين الهندي والهادئ.
وبدلاً من التهديدات الفارغة مع الإصرار على الهيمنة، الأجدى لأمريكا أن تشجع أوروبا على بناء قدراتها الخاصة، وأن تبدأ باتخاذ خطوات فعلية ومدروسة لتقليص وجودها العسكري في القارة، بما يخدم مصالح الطرفين على السواء.


