في الوقت الذي تستعيد فيه هيروشيما ذكرى القنبلة الذرية وسط أجواء يغلب عليها الحداد والدعوة إلى السلام، تقدم مدينة كوري الساحلية رواية مختلفة تماماً عن الذاكرة اليابانية للحرب.
ففي متحف «ياماتو» البحري، الذي أُعيد افتتاحه بعد عملية ترميم بلغت تكلفتها 65 مليون دولار، تُستعاد قصة أكبر سفينة حربية بنيت على الإطلاق، تلك التي أغرقتها القوات الأميركية في أبريل/نيسان 1945 في أثناء مهمة انتحارية باتجاه أوكيناوا، بحسب صحيفة “واشنطن بوست”.
- مذكرات قس تكشف تفاصيل كارثة هيروشيما في 230 صفحة
وبينما تستقطب متاحف السلام في هيروشيما أعداداً متزايدة من الزوار الأجانب، يظل متحف ياماتو مساحة تذكارية ذات طابع مختلف، تستحضر الحرب من زاوية الإنجاز والتكنولوجيا والبطولة، أكثر مما تستحضرها من منظور الهزيمة والدمار.
متحف كوري.. ذاكرة حرب خارج سردية السلام
يختلف متحف ياماتو عن كثير من المؤسسات التذكارية اليابانية التي تحرص على إبراز مفردات السلام لتجنب إثارة حساسيات تاريخية مع دول الجوار. فاللغة اليابانية تهيمن على قاعات العرض، فيما تظل المواد المكتوبة باللغات الأجنبية محدودة، كما أن المرشدين لا يقدمون عادة جولات باللغة الإنجليزية.

وترى الأكاديمية هيلين لي أن المتحف يقدم سردية مغايرة للخطاب التذكاري السائد، إذ يحول التركيز من المأساة والهزيمة إلى الشجاعة والفخر والقدرة التقنية.
لا تفصل أكثر من 40 دقيقة بالقطار بين هيروشيما وكوري، لكن المدينتين لا تستقطبان عادة النوع نفسه من الزوار، في انعكاس للانقسام الرمزي بين اليابان التي تقدم نفسها بوصفها ضحية للحرب النووية، واليابان التي لا تزال تستحضر إرث قوتها العسكرية السابقة. ومن هنا، تتحول «ياماتو» إلى مرآة تكشف عن تعقيدات الذاكرة الوطنية أكثر مما تقدم مجرد تاريخ لسفينة حربية.
من أعماق المحيط إلى الثقافة الشعبية
لم تتوقف أسطورة «ياماتو» عند غرقها، بل تحولت خلال العقود الثمانية الماضية إلى ظاهرة ثقافية امتدت إلى السينما والرواية والفن والرسوم المتحركة.
وكان مسلسل «سفينة الفضاء ياماتو» أبرز مظاهر هذا التحول، إذ أعاد تخيل السفينة وهي تنهض من قاع البحر وتنطلق في رحلة عبر المجرات، في سرد خيالي منح الرمز العسكري حياة جديدة بعيدة عن نهايته الكارثية.
ويقول المخرج تاكاشي يامازاكي إن «ياماتو» تمثل أحد أقوى رموز حرب المحيط الهادئ في الوعي الياباني، في حين يرى الصحفي هيرويوكي أوتا أن الأعمال الخيالية المرتبطة بها أتاحت للأجيال اللاحقة التعامل مع مأساة السفينة من خلال قصة بديلة تخفف وطأة الهزيمة.
وفي قلب المتحف، يجسد نموذج للسفينة بمقياس واحد إلى عشرة، يبلغ طوله 86 قدماً، حجم التحدي الهندسي الذي مثلته «ياماتو».
وتعرض المتاحف بناءها باعتباره ذروة تكنولوجيا صناعة السفن اليابانية قبل الحرب، وتربط بعض الروايات بين الخبرات الصناعية التي تراكمت آنذاك وبين نهضة اليابان بعد الحرب في مجالات السيارات والكاميرات والقطارات فائقة السرعة.

غير أن هذا الفصل بين التكنولوجيا والسياق السياسي يثير اعتراض مؤرخين يرون أن الاحتفاء بالإنجاز الهندسي لا ينبغي أن يتجاهل حقيقة أن هذه القدرات كانت جزءاً من آلة عسكرية ارتبطت بحرب خلفت دماراً واسعاً.
وتكتسب هذه المعضلة أهمية إضافية في ظل عودة اليابان إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة وأستراليا.
وبينما يرى البعض في «ياماتو» رمزاً لعصر إمبراطوري قاد البلاد إلى الكارثة، يراها آخرون دليلاً على براعة تقنية خالصة. وبعد ثمانين عاماً من غرقها، تظل السفينة حاضرة في الثقافة اليابانية بوصفها رمزاً يتجاوز الحرب نفسها، ويكشف في الوقت ذاته صعوبة حسم العلاقة بين الفخر الوطني والذاكرة التاريخية.

