ظهر القادة الأوروبيون كجبهة واحدة في مواجهة التحديات الأمنية خلال قمة “الناتو” الأخيرة، لكن الكواليس تكشف عن أزمة عميقة مكتومة.
فالعلاقة بين فرنسا وألمانيا، التي شكلت لعقود المحرك الرئيسي للتكامل الأوروبي، تشهد اليوم تصدعًا غير مسبوق بسبب صراع متزايد على قيادة الصناعات العسكرية وتقاسم التكنولوجيا والملكية الفكرية، وهو ما يهدد بإضعاف طموحات الاتحاد الأوروبي في بناء منظومة دفاعية مستقلة، وفق مجلة فورين بوليسي الأمريكية.
- تقارب روسي كوري شمالي يتنامى.. «حوار استراتيجي» في موسكو
يحمل هذا الخلاف دلالات تاريخية لافتة، ففي عام 1952، وضعت فرنسا وألمانيا الغربية (بالإضافة إلى إيطاليا، وبلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورغ) صناعاتها الدفاعية تحت سلطة فوق وطنية، رافعة شعار “لا مزيد من الحرب”، لتضع حجر الأساس للتكامل الأوروبي
إلا أن التحولات الأمنية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية وتراجع الانخراط الأمريكي التدريجي في أمن القارة، أعادت إحياء الحسابات الوطنية على حساب الرؤية الجماعية.
وتكشف مؤشرات الإنفاق العسكري حجم هذا التحول؛ فقد رفعت ألمانيا مشترياتها من المعدات الدفاعية الأمريكية إلى نحو 68 مليار دولار خلال عام 2024، مقارنة بمتوسط 11 مليار دولار فقط بين عامي 2017 و2021، وهو ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الصناعات الخارجية، ويؤكد في الوقت ذاته غياب استراتيجية أوروبية موحدة لتطوير القدرات الدفاعية.
انهيار المشاريع المشتركة
يعد مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي أبرز ضحايا هذا التوتر. فقد كان المشروع يمثل حجر الزاوية في التعاون الدفاعي بين باريس وبرلين، ويهدف إلى تطوير مقاتلة أوروبية من الجيل المقبل، لكنه انهار بعد خلافات حادة حول قيادة البرنامج وتقاسم التكنولوجيا وحقوق الملكية الفكرية.
وتمسكت شركة “داسو” الفرنسية بإدارة المشروع، بينما اعترضت “إيرباص” الألمانية على ما اعتبرته تهميشًا لدورها، قبل أن ينهي المستشار الألماني فريدريش ميرتس المشروع بصورة مفاجئة، في خطوة عكست عمق الأزمة بين البلدين.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ سارعت برلين إلى إطلاق مشروع جديد لتطوير مقاتلة من الجيل السادس بقيادة شركات ألمانية، في تحرك فسره مراقبون بأنه رد مباشر على الموقف الفرنسي.
كما امتدت الخلافات إلى مشروع الدبابة الأوروبية المشتركة، حيث اتجهت ألمانيا إلى تطوير برنامجها الخاص، بينما تراجعت مشاريع التعاون البحري والفضائي بين البلدين، ما حول الشراكة التقليدية إلى منافسة مفتوحة تهدد بتقويض أسس التعاون الدفاعي الأوروبي.
وفي المقابل، بدأت دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق في لعب دور أكثر تأثيرًا داخل المنظومة الأوروبية. فهذه الدول، التي تواجه تهديدات أمنية مباشرة، ترى أن التعاون الدفاعي لم يعد خيارًا سياسيًا بل ضرورة استراتيجية، وتسعى إلى بناء شراكات متعددة بعيدًا عن الخلاف الفرنسي-الألماني.
ويعتقد خبراء تحدثوا لـ”فورين بوليسي” أن السويد، بفضل قاعدتها الصناعية المتطورة، مرشحة لتصبح مركزًا رئيسيًا لتجميع الصناعات الدفاعية الأوروبية، من خلال التعاون مع مختلف الدول بصورة منفردة، بما يخفف من آثار الانقسام بين القوتين الأكبر في الاتحاد.
مستقبل الدفاع الأوروبي بين الوحدة والانقسام
ويتزامن هذا المشهد مع طفرة غير مسبوقة في الإنفاق العسكري الأوروبي، بعدما ارتفع بنحو 20 بالمائة خلال عام 2025 وفق تقديرات حلف شمال الأطلسي، في إطار سعي الدول الأوروبية إلى تعزيز جاهزيتها العسكرية.
إلا أن هذا الإنفاق الضخم يواجه خطر التشتت في ظل غياب رؤية صناعية موحدة، وهو ما قد يؤدي إلى تكرار البرامج الدفاعية نفسها، وإهدار الموارد، وتعزيز المنافسة بين الشركات الوطنية بدلًا من توحيد الجهود.
ويرى محللون أن استمرار الخلاف بين باريس وبرلين لا يهدد مستقبل المشاريع العسكرية المشتركة فحسب، بل يضعف أيضًا قدرة أوروبا على تحقيق استقلالها الاستراتيجي بعيدًا عن الاعتماد على الولايات المتحدة.
ويؤكدون أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إنشاء إطار أوروبي ملزم ينظم توزيع العمل الصناعي وحقوق الملكية الفكرية بصورة عادلة، بما يضمن توازن المصالح بين الدول الأعضاء ويحول دون تغليب الاعتبارات الوطنية على المشروع الأوروبي، وفق ما نقلته المجلة الأمريكية.
وبينما تتسارع التحديات الأمنية على حدود القارة، تبدو أوروبا أمام اختبار تاريخي جديد؛ فإما أن تنجح في إعادة إحياء روح الشراكة التي أرست أسس السلام بعد الحرب العالمية الثانية، أو تسمح للخلافات الصناعية والسياسية بإعادة إنتاج منطق التنافس الذي لطالما سعت إلى تجاوزه، بما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل الأمن الأوروبي بأكمله.

