تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب معضلة متزايدة في التعامل مع كوبا، بعدما حذر الرئيس الأمريكي من أن أي محاولة لإسقاط النظام الشيوعي في هافانا قد تنتج واقعاً شبيهاً بما واجهته واشنطن في إيران.
ويأتي هذا التحذير بالتزامن مع تصعيد الضغوط الأمريكية على الجزيرة، عبر تشديد القيود على إمدادات الوقود، ما فاقم أزمة الاقتصاد والطاقة وأدى إلى اضطرابات واسعة في شبكة الكهرباء، بحسب صحيفة “التليغراف” الأمريكية.
- شبح «خليج الخنازير» يخيم على كوبا.. تحرك سري جديد لـ«سي آي إيه»
وبينما تحاول الإدارة الاستفادة من تجربة فنزويلا، حيث أدى الضغط الأمريكي إلى الإطاحة بنيكولاس مادورو وتنصيب نائبته ديلسي رودريغيز، تشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن النموذج الكوبي يختلف بصورة جوهرية عن الحالة الفنزويلية، ويقترب في بنيته السياسية والأيديولوجية من النظام الإيراني.
ووفق تقارير اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»، ترى أجهزة الاستخبارات أن صلابة النخبة الحاكمة في هافانا تجعل تكرار السيناريو الفنزويلي أكثر صعوبة.
كوبا وإيران.. تشابه أيديولوجي يصعّب مهمة واشنطن
يرى محللون أن أحد أخطر الأخطاء التي قد تقع فيها واشنطن هو التعامل مع الأنظمة الثلاثة باعتبارها حالات متشابهة.
ويقول مدير برنامج أمريكا اللاتينية في «تشاتام هاوس»، كريس ساباتيني، إن كوبا وإيران تمثلان نظامين أيديولوجيين راسخين، يمتلك كل منهما قيادة متماسكة وشبكة من النخب التي حافظت على تماسكها لعقود، خلافاً لفنزويلا التي وصفها بأنها نظام قائم على المحاصصة والفساد أكثر من كونه منظومة متماسكة.
وبحسب هذا التقييم، فإن العثور على شخصية كوبية يمكنها التعاون مع واشنطن وتتمتع في الوقت نفسه بقبول داخل النظام سيكون مهمة شديدة الصعوبة، خصوصاً أن النخبة الحاكمة في هافانا لا تزال مرتبطة بإرث فيدل وراؤول كاسترو، بما يجعل الانتقال السياسي المفروض من الخارج أكثر تعقيداً.
إيران تختبر حسابات «تغيير النظام»
تستند المخاوف الأمريكية جزئياً إلى تجربة إيران، حيث اعتمدت واشنطن، قبل اندلاع الحرب، على تصور يقوم على إمكانية تنصيب قيادة بديلة قادرة على إدارة البلاد بعد إضعاف النظام القائم.
إلا أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية أدت إلى مقتل شخصيات إيرانية كانت مطروحة ضمن الحسابات الأمريكية، فيما أدى اغتيال خامنئي إلى تغيير المشهد السياسي بصورة جذرية.
وتثير التجربة الإيرانية تساؤلات بشأن ما سيحدث في كوبا إذا أزيلت شخصيات القيادة من المشهد من دون وجود بديل واضح. فراؤول كاسترو، رغم عدم شغله منصباً رسمياً، لا يزال شخصية ذات وزن داخل النظام، وقد لا يؤدي غيابه إلى فراغ مباشر بقدر ما قد يطلق صراعاً بين مراكز القوى المتنافسة.
تبدو خيارات واشنطن محدودة في ظل غياب شخصية واضحة يمكنها قيادة مرحلة انتقالية تحظى بقبول داخلي ودعم أمريكي في آن واحد. وتدور التكهنات حول عدد من الشخصيات المرتبطة بالعائلة الحاكمة أو مؤسسات الدولة، لكن أياً منها لا يبدو حتى الآن خياراً مثالياً بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية.
ويزيد الغموض حديث تقارير عن لقاءات أجراها مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف خلال زيارة سابقة إلى كوبا مع شخصيات يُنظر إليها باعتبارها محتملة لمرحلة ما بعد النظام الحالي، ما يعكس حجم البحث الأمريكي عن بديل سياسي.
في المقابل، تؤكد هافانا أنها لن تقبل تغييراً مفروضاً من الخارج. وقالت السفيرة الكوبية لدى بريطانيا، إسمارا فارغاس والتر، إن الشعب الكوبي سيقاتل «حتى الموت» في مواجهة أي تدخل عسكري، محذرة من أن الدفاع عن الجزيرة قد يستمر مهما كانت التكلفة.
وهكذا، تبدو معضلة ترامب في كوبا أكثر تعقيداً من مجرد إضعاف النظام؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في اليوم التالي، ومن يملك القدرة على ملء الفراغ من دون تحويل الجزيرة إلى نسخة أخرى من الفوضى التي أعقبت محاولات تغيير أنظمة بالقوة.

