في الوقت الذي ينصب فيه الاهتمام الدولي على الحرب والتوترات الإقليمية، تشهد إيران تصعيداً لافتاً في تنفيذ أحكام الإعدام، ولا سيما الإعدامات العلنية التي تُنفذ في الساحات العامة باستخدام الرافعات كأعواد مشانق.
ويرى ناشطون ومنظمات حقوقية أن النظام الإيراني يهدف من وراء تلك المشاهد إلى ترسيخ الخوف وردع أي موجة احتجاج جديدة.
وأثارت عملية الإعدام العلنية التي نُفذت أخيراً في مدينة أصفهان موجة واسعة من ردود الفعل، بعدما أُعدم شابان اتهمتهما السلطات بقتل أربعة من عناصر الشرطة خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني الماضي، بحسب صحيفة التايمز البريطانية.
- أسرى الحرب «المنسيون».. قرصنة إيران للملاحة تحيل حياة البحارة جحيما
ونُفذت العملية في ساحة عامة باستخدام رافعة، وسط حضور أمني كثيف وتجمعات لمواطنين هتف بعضهم بشعارات منددة بالإعدام، في مشهد أعاد إلى الواجهة الجدل حول استخدام العقوبة كوسيلة لإخماد المعارضة السياسية.
وبحسب الرواية الرسمية الإيرانية، أُدين الشابان بعد محاكمات بتهم تتعلق بقتل عناصر أمن خلال الاضطرابات. إلا أن منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية وهيئات تابعة للأمم المتحدة، شككت في سلامة الإجراءات القضائية، مشيرة إلى مزاعم عن انتزاع اعترافات تحت الإكراه، وحرمان المتهمين من ضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى حالات اختفاء قسري خلال مراحل التحقيق.
استراتيجية ترهيب أم تطبيق للقانون؟
يرى حقوقيون أن الإعدامات العلنية تمثل جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى استعادة السيطرة بعد موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد خلال عام 2026، والتي اعتُبرت من أكبر التحديات الداخلية التي واجهتها السلطات الإيرانية منذ سنوات.
ويقول مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن إيران نفذت منذ مارس/آذار الماضي ما لا يقل عن 56 حكماً بالإعدام في قضايا مرتبطة بالأمن القومي، من بينها 27 حالة تعلقت بمشاركين في الاحتجاجات، مع وجود أكثر من مئة شخص آخر يواجهون خطر تنفيذ أحكام مماثلة.
كما أعرب عن قلقه من غياب معايير المحاكمة العادلة، داعياً إلى وقف تنفيذ الإعدامات.
وتؤكد منظمة العفو الدولية أن السلطات الإيرانية كثفت استخدام عقوبة الإعدام بحق المحتجين، معتبرة أن الإعدامات العلنية تمثل تصعيداً في توظيف العقوبة لإخماد المعارضة السياسية، وحذرت من أن عشرات المعتقلين، بينهم أشخاص كانوا قاصرين عند توقيفهم، لا يزالون يواجهون خطر الإعدام.
ويشير باحثون إلى أن استخدام الرافعات في تنفيذ الإعدامات العلنية أصبح أحد أكثر المشاهد ارتباطاً بعقوبة الإعدام في إيران منذ عقود، حيث تُستخدم الرافعة لرفع المحكوم عليه في الهواء بدلاً من منصة الإعدام التقليدية، وهو أسلوب أثار انتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان التي تعتبره شكلاً من أشكال الترهيب الجماعي.
ويرى ناشطون أن الرسالة الأساسية من هذه الإعدامات تتجاوز معاقبة المتهمين، لتصل إلى المجتمع بأكمله، عبر إظهار استعداد النظام الإيراني لاستخدام أقصى العقوبات ضد كل من يُتهم بالمشاركة في الاحتجاجات أو تهديد النظام.
ويقول مقربون من بعض الذين أُعدموا إنهم “ضحوا بشبابهم حتى ينال الآخرون الحرية”، معتبرين أن تنفيذ الأحكام لم يُنهِ حالة الغضب، بل عزز مشاعر التحدي لدى قطاعات من المجتمع.
وفي ظل استمرار التوترات الداخلية والضغوط الدولية، تبدو قضية الإعدامات العلنية مرشحة للبقاء بوصفها أحد أكثر الملفات الحقوقية إثارة للجدل في إيران خلال المرحلة المقبلة.

