ملعب ترامب للغولف.. فاتورة بـ49 مليون دولار وأزمة قضائية

ملعب ترامب للغولف.. فاتورة بـ49 مليون دولار وأزمة قضائية

على مقربة من البيت الأبيض، حيث تتقاطع السياسة الأمريكية مع رموزها التاريخية، لم تعد أشجار ملعب “إيست بوتوماك” للغولف، مجرد جزء من مشهد أخضر يحيط بمسارات اللعب.

بل أصبحت قضية الأشجار وتطويرها محور مواجهة قضائية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومعارضين لمشروعه لإعادة تطوير الموقع.

الحكاية بدأت بخطة لتحديث ملعب عام يتجاوز تاريخه القرن، وتحويله إلى وجهة احترافية قادرة على استضافة بطولات كبرى، لكن إزالة مئات الأشجار، بالتزامن مع تحرك قضائي لوقف المشروع، دفعت النزاع إلى مسار مختلف، لتصبح القضية اختبارًا لحدود ما تستطيع الإدارة الأمريكية تنفيذه في مساحة عامة تاريخية.

وفي أحدث تطورات القضية، وافقت قاضية اتحادية على إصدار أمر قضائي أولي يقيّد أعمال الإدارة، مانعة إزالة أشجار إضافية أو إتلافها، وملزمة الحكومة بإخطار مكتوب قبل 10 أيام من إجراء تعديلات جوهرية لا يمكن إصلاحها في الملعب، ما دامت الدعوى مستمرة.

حلم ملعب عالمي يبدأ من حديقة عامة

ترامب يريد تحويل “إيست بوتوماك” إلى ملعب غولف احترافي من 18 حفرة، وقال إن إعادة تطويره ستجعله قادرًا على استضافة منافسات كبرى، مع بقائه مفتوحًا للجمهور، ويرى أن الموقع بحاجة إلى تحديثات واسعة لمعالجة تدهور حالته ومخاطر تتعلق بالسلامة، من بينها مشكلات في الأشجار والسور البحري المحيط بالمنطقة.

معارضو المشروع لا ينظرون إلى المكان باعتباره ملعبًا يحتاج إلى تحسينات فحسب، بل كونه جزءًا من مساحة عامة تاريخية ينبغي الحفاظ على طابعها وإتاحتها للسكان. وتقول رابطة الحفاظ على التراث في واشنطن العاصمة، إن أعمال التطوير قد تتسبب في أضرار لا يمكن إصلاحها، وإن إزالة الأشجار تمثل جزءًا من تغييرات أوسع تستدعي مراجعة قانونية وبيئية.

  • مفارقات الحرب.. عائلة ترامب تربح 3 مليارات دولار وفواتير أثقل على الأمريكيين 

400 شجرة تنقل الخلاف إلى قاعة المحكمة

لم يتصاعد النزاع بسبب التصميم المقترح وحده، بل بسبب ما حدث على الأرض، فخلال عطلة نهاية أسبوع، أزالت فرق العمل مئات الأشجار من الموقع، وتحدثت تقارير عن قطع أكثر من 400 شجرة، فيما أشارت إفادات ووثائق قضائية إلى خطط شملت أعدادًا أكبر، وأثار التنفيذ السريع، مع محدودية الإخطار المسبق للمدعين والمحكمة، غضب القاضية آنا رييس التي تنظر القضية.

ملعب ترامب للغولف.. فاتورة بـ49 مليون دولار وأزمة قضائية - صورة 1

وقدمت الحكومة إزالة الأشجار باعتبارها جزءًا من خطة لإدارة الأشجار وإعادة تأهيل المشهد الطبيعي، تعود توصياتها إلى تقرير صدر عام 2019، وليس بالضرورة تنفيذًا مباشرًا لمشروع ترامب، لكن المدعين شككوا في هذا التفسير، معتبرين أن توقيت الإزالة وحجمها يرتبطان بخطة إعادة التطوير الأوسع.

وبعد جلسات شهدت استجواب مسؤولين حكوميين بشأن توقيت العمل والجهات التي وافقت عليه، فرضت المحكمة قيودًا مؤقتة على أعمال إضافية، ولا يمثل ذلك حكمًا نهائيًا بأن المشروع غير قانوني، لكنه يعكس قلق المحكمة من احتمال وقوع أضرار يصعب تداركها قبل حسم النزاع.

القاضية: المحكمة تتحدث باسم القانون لا الأشجار

في قرارها الأخير، استعانت رييس بإشارة ساخرة إلى كتاب الأطفال الشهير “The Lorax”، الذي تدور قصته حول الدفاع عن الأشجار والبيئة، لتوضح حدود دور المحكمة. وكتبت أن المحكمة سبق أن قالت إنها لا تتحدث باسم الأشجار، مضيفة أنها لا تزال لا تتحدث باسمها، بل تتحدث باسم سيادة القانون.

وأعربت القاضية عن استغرابها من مطالبة الحكومة لها بتجاهل تصريحات الرئيس بشأن خططه، بينما قدم موظفون حكوميون إفادات تحت القسم، ودافع محامو وزارة العدل عن موقف مختلف بشأن مدى نهائية خطة التطوير.

وبذلك لم يعد النزاع متعلقًا فقط بحماية الأشجار، بل أصبح متعلقًا أيضًا بمدى اتساق تصريحات الرئيس ترامب مع ما تقوله الإدارة أمام القضاء. ورفضت رييس طلب الحكومة تنحيها عن القضية، بعدما شككت الإدارة في حيادها وانتقدت تصرفاتها خلال جلسات سابقة.

  • 8 مليارات دولار لمزارعي أمريكا.. خطة ترامب لامتصاص صدمة الديزل

فاتورة قد تصل إلى 49 مليون دولار

تبرز تكلفة المشروع باعتبارها سؤالًا لم تُحسم إجابته النهائية، فوفق وثيقة اطلعت عليها شبكة “CNN” في سبتمبر/أيلول الماضي، تراوحت التكلفة التقديرية الأولية لإعادة تطوير الملعب بين 20 و49 مليون دولار، وكانت هيئة المتنزهات الوطنية تعتزم بدء طلب عروض التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2027.

كما منحت وزارة الداخلية عقدًا بنحو 400 ألف دولار لشركة “Vanasse Hangen Brustlin” لتقديم خدمات التصميم الإلكتروني للمشروع، فيما أكدت الوزارة أن التصميم الكامل لم يُحسم بعد، وأن التعامل مع التقديرات الأولية باعتبارها تكلفة نهائية أمر سابق لأوانه.

ملعب ترامب للغولف.. فاتورة بـ49 مليون دولار وأزمة قضائية - صورة 2

وتشير بيانات المؤسسة الوطنية للغولف (NGF)، إلى وجود نحو 16 ألف ملعب غولف في الولايات المتحدة بنهاية 2025، موزعة على قرابة 14 ألف منشأة، ما يجعل السوق الأمريكية الأكبر عالميًا بفارق واسع.

ويتيح نحو ثلاثة أرباع ملاعب ومنشآت الغولف في البلاد اللعب للجمهور، سواء عبر ملاعب تديرها السلطات المحلية أو منشآت خاصة تتيح الحجز مقابل رسوم، بينما تمثل الأندية الخاصة نحو ربع المعروض.

وبعد تراجع تجاوز ألفي ملعب بين عامي 2006 و2020، استقر عدد ملاعب الغولف الأمريكية نسبيًا خلال السنوات الأخيرة، مع عودة محدودة للبناء الجديد، إذ كانت أكثر من 140 منشأة جديدة قيد التخطيط أو الإنشاء مطلع 2026.

معركة على شكل واشنطن

تأتي خطة تطوير “إيست بوتوماك” ضمن مشروعات أخرى يسعى ترامب لتنفيذها في العاصمة، تشمل بناء قاعة احتفالات ضخمة في البيت الأبيض، وإنشاء قوس تذكاري كبير، وإجراء تغييرات أخرى في مواقع عامة وتاريخية.

وأثارت هذه المشروعات اعتراضات قانونية وانتقادات من جهات معنية بالحفاظ على التراث، لتتحول إعادة تشكيل المشهد العمراني في واشنطن إلى ساحة أخرى للتوتر بين الإدارة ومعارضيها. ويرى مؤيدو التطوير أن المشروع يوفر ملعبًا حديثًا بمواصفات احترافية، بينما يخشى المعترضون أن تؤدي التغييرات إلى فقدان خصائص تاريخية وبيئية وتغيير طبيعة مساحة عامة اعتاد السكان استخدامها.

وأعلن ترامب، أن الملعب سيغلق لمدة 15 شهرًا اعتبارًا من 15 نوفمبر/تشرين الثاني، تمهيدًا لأعمال التطوير، مؤكدًا عزمه المضي في المشروع والطعن على قرار القاضية، لكن الأمر القضائي المؤقت يقيّد بعض الأعمال خلال نظر الدعوى، ولا يشكل إلغاءً نهائيًا للمشروع.