بينما انشغلت الأنظار بدخان الهجمات التي ضربت مالي، جاء الموقف المغربي سريعا وواضحا، جامعا بين إدانة الإرهاب والتشديد على وحدة باماكو واستقرارها.
موقف تجاوز حدود التضامن الدبلوماسي، ليعكس تموضعا أوسع للرباط داخل منطقة الساحل الأفريقي، بترسيخها صورة الشريك الداعم للدولة الوطنية في مواجهة الفوضى، والشريك القادر على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
وكانت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي وجماعة متمردة أخرى، قد أعلنتا المسؤولية عن هجمات على أهداف في مناطق عدة في مالي؛ بينها القاعدة العسكرية الرئيسية خارج العاصمة باماكو في جنوب البلاد مما أسفر عن مقتل وزير الدفاع، وأثار مخاوف بشأن استقرار هذا البلد الذي يخوض حربا ضد الإرهابيين منذ أكثر من عقد، وشهد ثلاثة انقلابات منذ عام 2013.
فكيف كان موقف الرباط من هجمات مالي؟
بتأكيدها على المرتكزات الأساسية، المتمثلة في الإدانة الواضحة للهجمات الإرهابية التي استهدفت جمهورية مالي، والتعبير عن تضامنها الكامل مع الدولة المالية ومؤسساتها وشعبها، فضلا عن تجديد الدعم لاستقرار البلاد ووحدتها الترابية، جاء موقف الرباط راسخا، معبرا عن التزام واضح بدعم سيادة الدول الوطنية في مواجهة الإرهاب ومخاطر التفكك، بعيدا عن أية حسابات ظرفية أو مزايدات سياسية.
موقف سجله بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية المغربية، لم ينجر إلى أي سجال جانبي، بل اتسم بتأكيده على تموضعه الثابت إلى جانب الدول، واحترام سيادتها، والانخراط الفعلي في مكافحة الإرهاب.
ذلك الموقف، الذي ركز على المبادئ وعلى دعم الشريك المالي في مواجهة أطراف حاولت استغلال التطورات الراهنة، بإعطاء الذباب الإلكتروني الضوء الأخضر، للهجوم على البلد الأفريقي، والترويج لسردية أحادية قوامها تصويره كدولة ضعيفة، والتشكيك في خياراته الدبلوماسية، والتلميح إلى حتمية الانزلاق نحو الفوضى، ضمن حرب نفسية ممنهجة.
ليس هذا فحسب، بل إن الذباب الإلكتروني، لجأ إلى نشر شائعات حول فرار المسؤولين الماليين، والمبالغة في تقدير الخسائر، وترويج معطيات غير مؤكدة، فضلا عن تسويق سيناريوهات لانهيار مؤسساتي، بهدف تقويض الثقة الداخلية وإضعاف صورة باماكو على الصعيد الخارجي.
وبحسب مراقبين، فإن الملف المالي لا يقتصر على كونه أزمة أمنية، بل يشكل أيضا مؤشرا دالا على أنماط من الممارسات ذات الطابع المزعزع للاستقرار.
مالي وثمن مواقفها المشرفة
اعتراف دولة مالي بمغربية الصحراء، إلى جانب تراجع الخطاب الانفصالي، قد شكل نكسة استراتيجية لأبواق لطالما حاولت النيل من النظام في البلد الأفريقي، في تطور، كان كاشفًا لأهداف الهجمات الإلكترونية التي تتعرض لها باماكو.
في تحول يتوج نجاحات دبلوماسية، حقق المغرب اختراقا جديدا في ملف الصحراء، ففي 10 أبريل/نيسان الجاري، أعلنت دولة مالي سحب اعترافها بـ«البوليساريو» ودعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في تحول توج نجاحات دبلوماسية للرباط، وكان بمثابة اختراق جديد وتأكيد لنجاع رؤيتها في ملف الصحراء.
وبينما تندرج الصحراء المغربية ضمن مسار دولي قائم على حل سياسي واقعي وذي مصداقية، يرتكز على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يظل الوضع في مالي شأنا داخليا معقدا، يتسم بتداخل العنف المسلح مع أنشطة الجماعات الإرهابية، ورغم ذلك سعت بعض الجهات إلى توظيف قضية أزواد كمرآة إسقاطية للصحراء المغربية، في مقارنة فاقدة للأساس الموضوعي.
خطوط حمراء
ومع سقوط ورقة تلك المقارنة غير الموضوعية، تظل محاولات استهداف شركاء مالي، وفي مقدمتهم المملكة المغربية، فضلا عن غيرهما من الداعمين، تندرج ضمن مساعي عزل باماكو، وهو ما يشكل خطا أحمر أمنيا بالنسبة للمنطقة برمتها، وخاصة وأن المؤشرات المسجلة بخصوص وجود روابط بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وبعض الفاعلين في أزواد تؤكد أن هذه التهديدات لم يعد من الممكن التعامل معها كملفات منفصلة، بحسب مراقبين.
وأكد مراقبون، أن مساعي تغذية النزعات الانفصالية أو توظيفها في تصفية حسابات جيوسياسية، تهدف إلى تعميق حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل.
الخطط الخبيثة لعزل مالي
يقول مراقبون، إن هذه المحاولات لعزل باماكو عن محطيها الإقليمي لن تنجح، مشيرين في الوقت نفسه إلى أهمية الشراكات بين باماكو والرباط وغيرها من الشركاء الإقليميين، ودورها المحوري في إعادة تشكيل موازين القوى على المستوى الإقليمي.
شراكات لا تتزعزع بدت واضحة في بيان المغرب بشأن الأحداث الأخيرة ومواصلته دعم باماكو والدول الأفريقية في مواجهة الإرهاب ومخاطر التفكك، فضلا عن إدانات تحالف دول الساحل لـ«المؤامرة الوحشية».
ودان تحالف دول الساحل، الذي يضم إلى جانب مالي كلا من بوركينا فاسو والنيجر الهجمات، ووصفها بأنها «مؤامرة وحشية مدعومة من أعداء تحرير الساحل».
كما دان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «أعمال العنف» في مالي، داعيا إلى «دعم دولي منسق للتعامل مع الخطر المتزايد للتطرف العنيف والإرهاب في منطقة الساحل، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة»، حسبما صرح المتحدث باسمه ستيفان دوغاريك.


